‏إظهار الرسائل ذات التسميات من بطون الكتب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من بطون الكتب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 ديسمبر 2014

ملاحظة الشخصية المستقلة للسورة طريقك للتدبر

ملاحظة الشخصية المستقلة للسورة
القرآن الكريم وحدة موضوعية متكاملة، ولو كان من عند غير الله لكان فيه اختلاف كبير، وهو كله متناسق جميل فى صياغته فى جمله وعباراته وكلماته، كما أنه متناسب مترابط فى موضوعاته ومعانيه، فالتناسب والتناسق والوحدة فى كل سورة من سوره، وفى كل درس من دروسها، وفى كل مقطع من مقاطعها، وفى كل آية من آياتها، وفى كل كلمة من كلماتها .. إنه بنيان قرآنى متماسك متناسق متصل معجز .. إنه أشبه ما يكون- من باب التقريب والتوضيح- بعمارة رائعة، يلحظ التناسق والانسجام فيها من بعيد، كما يدرك ذلك عند ما ينظر فى كل دور من أدوارها، وفى كل شقة من شقق ذلك الدور، وفى كل حجرة من حجرات تلك الشقة، وفى كل جدار من جدران الحجرة، وفى كل لبنة من لبنات الجدار .. وهكذا القرآن فى عمومه، ثم فى كل سورة منه، ثم فى كل درس من دروسه، ثم فى كل مقطع من مقاطعه، ثم فى كل آية من آيات المقطع، ثم فى كل كلمة من كلمات الآية ..
والقارئ البصير مطالب أن يلتفت إلى الوحدة الموضوعية للقرآن وللسورة منه، وأن يلحظ التناسق والتناسب والارتباط بين الدروس والمقاطع، وأن يتعامل مع السورة على أنها وحدة موضوعية متكاملة.
متجانسة، وأن يتعامل معها على أن لها شخصية مستقلة متميزة متفردة، شخصية تربط موضوعها الرئيسي بموضوعات دروسها ومقاطعها، بخيوط دقيقة متينة يلحظها المتدبر البصير ..
يقول سيد قطب: «ومن ثم يلحظ من يعيش فى ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة! شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حى مميز الملامح والسمات والأنفاس! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص! ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها، ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة. تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو. ولها إيقاع موسيقى خاص- إذا تغير فى ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة ..
وهذا طابع عام فى سور القرآن جميعا .. » [الظلال 1/ 28].
ويقول فى تقديمه لسورة الأعراف «إن كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة، وذات ملامح متميزة، وذات منهج خاص، وذات أسلوب معين، وذات مجال متخصص فى علاج هذا الموضوع الواحد، وهذه القضية الكبيرة .. إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة، وطرائقها المتميزة ومجالها المتخصص فى علاج هذا الموضع، وتحقيق هذه الغاية ..
إن الشأن فى سور القرآن- من هذه الوجهة- كالشأن فى نماذج البشر التى جعلها الله متميزة .. كلهم إنسان، وكلهم له خصائص الإنسانية، وكلهم له التكوين العضوى والوظيفى الإنسانى .. ولكنهم بعد ذلك نماذج منوعة أشد التنويع .. نماذج فيها الأشباه القريبة الملامح، وفيها الأغيار التى لا تجمعها إلّا الخصائص الإنسانية العامة ..
هكذا عدت أتصور سور القرآن، وهكذا عدت أحسها، وهكذا عدت أتعامل معها. بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته، وملامحه وسماته!» [الظلال 3/ 1243].
وعلى القارئ أن يسير مع القرآن كما سار سيد قطب، وأن يتعامل مع سوره كما تعامل سيد قطب، وأن يتخذ كل واحدة منها صديقا وحبيبا ومؤنسا وودودا كما فعل سيد قطب .. عندها سيقف على الشخصية المستقلة للسورة وسيحسن الربط بين آياتها وموضوعاتها، وسيلحظ الخيوط الدقيقة المتينة فيها، وسيتزود بزاد عظيم من معانيها وحقائقها.
مفاتيح للتعامل مع القرآن د. صلاح الخالدي

هل أنت محجوب عن القرآن؟

العودة المتجددة للآيات والزيادة فى معانيها
على القارئ أن يعيش القرآن، وأن تتجدد مذاقاته وحياته من الحياة به، وأن يكتشف المزيد والجديد من الحقائق المعاشة والمقررات الثابتة ..
عليه أن ينظر فى رصيده من هذه الحقائق والمعانى والمقررات، وأن يحرص على تنميتها وزيادتها، بدل أن تنقص وتضعف وتذوى وتتلاشي..
إن القارئ فى هذا الأمر أمام إحدى حالات ثلاث:
الأولى: أن يكتشف أن رصيده من المعانى والتوجيهات القرآنية قد نقص عن السابق، وأن عودته الثانية للآية لا تقارب أو تدانى قراءته الأولى لها، وأن ما يجده الآن منها أقل بكثير مما وجده فى أول مرة، وأن ما حصله منه يتناقص ويتناقص، وهو فى طريقه إلى الزوال والنفاد .. فإذا كان كذلك فهو محجوب عن القرآن ولابد أن يسعى إلى الحياة به من جديد.
الثانية: أن يكتشف أن رصيده كما هو لم يتغير بزيادة أو نقصان، وأن المعلومات بقيت عنده كما هى، وأنه عاجز عن أن يضيف إليها الجديد، أو أن يرفدها بالمفيد.. وهذا كذلك محجوب عن القرآن، وما سبق تحصيله منه تجمد وتحجر، وأنه قد أسن وتغير، وأنه محاصر فى زنزانة القعود والفتور والضعف والمعصية، ومعنى هذا أن حياة العلم والتدبر والفهم عنده جامدة، وأن حركته به متوقفة، وأن نموه العلمى والإيمانى بقى عند حالة واحدة عجز عن تجاوزها .. وعلى هذا القارئ أن يسعى إلى بث الحياة فى معلوماته ومكتسباته، وإلى أن يضيف إليها روحا جديدا ونورا جديدا ومعانى جديدة .. وذلك عن طريق توثيق صلته بالقرآن وحسن تعامله معه وإقباله عليه وتلقيه عنه ..
الثالثة: أن يكتشف أن رصيده قد ازداد، وأن هذه العودة الثانية
أو الرابعة قد أضافت له الجديد المفيد، وأمدته بالجزيل الجميل، وأنه يقف منه على معان جديدة لم يكن قد حصلها سابقا، وعلى حقائق وتقريرات وظلال لم يكن قد لاحظها أو عاشها .. فهذا هو الموفق فى صلته بالقرآن، وهو الحى بالقرآن، وهو المتحرك بالقرآن، وهو رجل القرآن .. إن رصيده القرآنى يتضاعف، وإن معلوماته تزداد، وإن صلته به تتوثق، وإن حياته به ومعه تنمو وتتجدد .. فليحمد الله على ذلك، وليسأل الله المزيد ..
مفاتيح للتعامل مع القرآن د. صلاح الخالدي

هكذا عاشوا مع القرآن

كيف عاش الصحابة مع القرآن؟
قول ابن مسعود رضى الله عنه: «إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به».
وقول عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «لقد عشنا دهرا طويلا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد صلّى الله عليه وسلّم فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها ولا ما ينبغى أن يقف عنده، ينثره نثر الدقل .. ».
قرأ أبو طلحة رضى الله عنه سورة براءة، فأتى على هذه الآية: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 41]، فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبابا جهزونى يا بنى، فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى مات، ومع أبى بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك، فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلّا بعد تسعة أيام فلم يتغير، فدفنوه بها .. ».
مفاتيح للتعامل مع القرآن د. صلاح الخالدي



السبت، 27 ديسمبر 2014

الخطوات المتدرجة لفهم القرآن والتعامل معه

الخطوات المتدرجة لفهم القرآن والتعامل معه
على قارئ القرآن أن يحسن قراءته وفهمه والتدبر فيه، والوقوف على تفسيره، بإيجاز قاصد ذى دلالة على الغرض القرآنى، وأن يعرف كيف يتعامل معه ويتلقى عنه ويعيش به .. لذلك عليه أن يتبع- فى قراءته له- طريقا محددا، ذا خطوات متدرجة واضحة، ومراحل متتابعة. ونشير بدورنا إلى هذه الخطوات والمراحل، ومن الله نستمد
العون والتوفيق ..
1 - أن يلاحظ آداب التلاوة- التى عرضنا أهمها فيما سبق من هذا الكتاب- وأن يراعيها ويلتزمها ويطبقها، حتى يحسن الدخول إلى عالم القرآن، والعيش فى جو القرآن، واستحضار معانيه وحقائقه، واستقدام دلالاته ولطائفه، واستشعار ظلاله وإيحاءاته .. ومن لم يلتزم تلك الآداب فكيف يتلقى عن القرآن؟
2 - التلاوة للسورة أو الجزء أو المقطع بتأن وخشوع وتدبر، وباسترسال وبطء وانفعال .. وأن لا يكون همه نهاية السورة أو خاتمة الجزء، ولا غرضه كم صفحة قرأ وكم آية تلا، وكم حسنة جمع، وأن لا تخايل له هذه الأمور، حتى لا تتحول إلى حجاب بينه وبين التدبر، وحاجز سميك يحجز عنه أنوار القرآن ولطائفه ..
3 - الوقوف أمام الآية التى يقرأها، وقفة متأنية فاحصة مكررة، ليستخرج منها بعض ما يمنّ الله عليه من كنوزها وعلومها ومعارفها ومعانيها .. وأن لا يقرأها بعينه فقط، أو يسمعها بأذنه فقط، بل يقرأها بكل كيانه، ويسمعها بكل مشاعره وأحاسيسه، وأن يعيشها بكامل كينونته الإنسانية، وأن ينفعل بها ويتأثر لها، ويفتح لها حياته كلها.
عليه أن يمعن النظر فى الآية، وأن يعيد قراءتها مرة ومرات، ولا يسأم من ذلك ولا يمل، حتى لو استمرت وقفته أمامها دقائق أو ساعات، وحتى لو أعادها عشرات المرات .. وكثير من علماء القرآن كانوا يطيلون الوقفة أمام الآية الواحدة، ويقومون بها ليلتهم كلها، ولا يقطعون تلاوة الآية وترديدها إلّا عند الفجر ..
4 - النظرة التفصيلية فى صياغة الآية: تركيبها وسياقها ومعناها، ونزولها وغريبها وإعرابها، وملاحظة معانيها ودلالاتها وظلالها .. بحيث لا يغادرها إلى غيرها، إلّا بعد أن يكون قد ألم بطرف من ذلك كله، ووقف على تفسيرها وفهمها ..
5 - ملاحظة البعد الواقعى للآية، انطباقها على الواقع ومعالجتها له، بحيث يجعل من الآية منطلقا له ليعالج حياته وواقعه، وميزانا يزن به من حوله وما يحيط به، ونورا يضيء له طريقه .. ولو أحسن إدراك هذا وتذوقه واستخراجه من الآية لوقف على كنز لا ينفد، وزاد عظيم من القرآن العظيم ..
6 - العودة إلى فهم السلف- وبخاصة الصحابة الكرام- للآية، وتدبرهم لها وحياتهم بها، والوقوف على استقبالهم لها وتعاملهم معها، وملاحظة الأحوال والملابسات والظروف والحاجات التى عالجتها ولبتها، والتأمل والتدبر فى ما روى لهم من عبارات فى فهمها وتفسيرها ..
7 - الاطلاع على آراء بعض المفسرين فى الآية، واختيار التفاسير ذات القيمة العلمية، والأصالة والريادة والمنهجية والتوثيق .. وذلك حتى
يقوّم ما لاحظه فى الآية، وما خرج به من أحكام ومعان ودلالات وإيحاءات، فيستبعد ما تعارض مع الأصول العلمية التى قررها علماء القرآن ..

ثلاثة أوراد يومية قرآنية:
ولعل كلامنا عن الخطوات المتدرجة للتعامل مع القرآن يطيل الفترة الزمنية التى يختم فيها القارئ القرآن، ويكلفه الكثير من الوقت والجهد والبحث والتدبر .. مع اعتقادنا أن هذا مطلوب لا بدّ منه، وأنه هو الثمرة المرجوة من التلاوة، والمقصد الأساسى من القراءة ..
ولكننا من باب حرصنا على إفادة القارئ الكريم، وتقديم النصح له- نشير إلى ضرورة أن يكون لكل منا مع القرآن الكريم ثلاثة أوراد يومية، ووظائف لازمة، لا يتخلف عنها يوما من الأيام، مهما كثرت شواغله وازدحمت الواجبات عليه.
* الورد الأول: ورد التلاوة، يقرأ فى القرآن- بالآداب التى سبق وأشرنا إليها- ولا ينقص ورده اليومى هذا عن جزء من أجزاء القرآن،
بحيث يختمه فى كل شهر قمرى مرة .. - وهو الحد الأدنى الذى وضعه رسول الله عليه الصلاة والسلام لقارئ القرآن- ولن يأخذ هذا الورد من وقته أكثر من ساعة، بل قد ينقص إلى نصفها!.
* الورد الثانى: ورد الحفظ: بحيث يحرص على أن يحفظ كل يوم آية أو آيتين أو ثلاثا، ويكرر حفظها ويحسنه يوميا، بحيث ما تمر عليه سنوات إلّا وقد حفظ القرآن كاملا بإتقان وضبط ملحوظين ..
* الورد الثالث: ورد التدبر: وهو المقصود بالخطوات المتدرجة السابقة، بحيث يطبق تلك الخطوات يوميا على آية أو آيتين أو ثلاث، ولا يزيد على ذلك، وأن يعيشها بحياته وكيانه كله، لن تمر عليه سنوات حتى يكون قد أحسن تدبر القرآن والتعامل معه وتفسيره وفهمه وفقهه ..
ومما يعين على الفهم والمعايشة للآيات أن يقرأ بها المسلم في صلاته .
مفاتيح للتعامل مع القرآن: د. صلاح الخالدي (ص:66-69)

الأحد، 14 سبتمبر 2014

تأملات في اسم الله اللطيف

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آلِه وصحبِه ومَن والاه، أما بعد:
فإنه لما تَقلَّبَت الأحوالُ بيوسفَ عليه الصلاةُ والسلام، وتَطوَّرَتْ به الأطوار، عَرَف أنّ هذه الأشياءَ وغيرَها لُطفٌ من لُطفِ اللهِ له، فاعترفَ بهذه النعمةِ فقال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾[يوسف: 100].
وهذا من أَعظمِ نِعَمِ اللهِ على العبد، أنْ يَعرِضَ أحوالَه التي تمرُّ به على معاني أسماءِ الله الحسنى، وصفاتِه العلى؛ فإنّ هذا له فائدتان:
الأولى: زيادةُ الإيمان.
الثانية: سهولةُ تلقي المصائبِ المؤلمة، وهذا يزدادُ حين يبلُغُ العبدُ منزلةَ الرضا عن الله، بحيث يوقِنُ أنَّ اختيارَ اللهِ خيرٌ مِن اختيارِه لنفسِه.
أيها المؤمنون!
إنّ مِن أسماءِ اللهِ الحسنى التي تَكرَّرَ ذِكرُها في كتابِ الله تعالى، ولها أثرُها البالغُ في حياةِ العبد -لمن فقه معناها وعمل بمقضاها-: اسمُ اللهِ اللطيف، الذي تمّدّحَ سبحانه به في مواضعَ مِن كتابِ الله، منها: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103] ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] فكيف نعيشُ مع هذا الاسم؟ وما آثارُه الإيمانيةُ علينا؟
إنّ التأمُّلَ في آثارِ لطفِه بعبادِه، هو الذي يُجيبُ على هذه الأسئلة، والتي تعرَّضُ لها العلامة السعدي : ، حين بيّن شيئاً من آثارِ لطف اللهِ بعباده فقال:
"ومِن لطفِه بعبادِه: أنه يُقدّر أرزاقَ عبادِه، بحسَبِ علمِه بمصلحتِهم لا بحسَبِ مراداتِهم، فقد يريدون شيئاً وغيرُه أصلح؛ فيُقدِّرُ لهم الأصلحَ وإن كرهوه؛ لطفاً بهم وبِرّاً وإحساناً ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾[الشورى: 19]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾[الشورى: 27].
ومِن لطفِه بهم: أنه يُقدِّرُ عليهم أنواعَ المصائب، وضروبَ المحنِ، والابتلاءِ بالأمرِ والنهيِ الشاق؛ رحمةً بهم ولطفاً، وسَوْقاً إلى كمالِهم وكمالِ نعيمهم: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 216].
ومِن لطفه بعبِده: أن يُقدّرَ له أن يتربّى في ولاية أهلِ الصلاحِ والعلمِ والإيمان، وبين أهلِ الخير؛ ليَكتَسِبَ مِن أدبِهم وتأديبِهم، ولينشأَ على صلاحِهم وإصلاحِهم، كما امتنَّ الله على مريمَ في قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾[آل عمران: 37].
ومن ذلك: إذا نشأَ بين أبوين صالحين، وأقاربَ أتقياء، أو في بلدِ صلاح، أو وفّقه الله لمقارنةِ أهلِ الخيرِ وصحبتِهم، أو لِتربيةِ العلماءِ الربانيين؛ فإنّ هذا مِن أعظمِ لطفِه بعبدِه، فإنّ صلاحَ العبدِ موقوفٌ على أسبابٍ كثيرة: منها؛ بل مِن أكثرِها وأعظمِها نفعاً: هذه الحالة، ومِن ذلك إذا نشأَ العبدُ في بلدٍ أهلُهُ على مذهبِ أهلِ السنةِ والجماعةِ فإنَّ هذا لُطفٌ له.
ومِن لطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يجعلَ رزقَه حلالاً في راحةٍ وقناعة، يحصلُ به المقصود، ولا يَشغَلُه عما خُلق له من العبادةِ والعلمِ والعمل، بل يُعينه على ذلك ويُفرّغه، ويُريحُ خاطرَه وأعضاءَه، ولهذا مِن لُطفِ اللهِ تعالى لعبدِه أنه ربما طَمِحتْ نفسُه لسببٍ من الأسباب الدنيوية، التي يَظُنّ فيها إدراكَ بغيتِه، فيَعلَمُ اللهُ تعالى أنها تَضرُّه وتَصُدُّه عما ينفعه؛ فيحولُ بينَه وبينها، فيظلّ العبدُ كارهاً وهو لم يدرِ أنّ ربَّه قد لَطَفَ به، حيث أبقى له الأمرَ النافع، وصرفَ عنه الأمرَ الضار، ولهذا كان الرضى بالقضاء في مثل هذه الأشياء من أعلى المنازل.
ومِن لطفِ الله بعبدِه - إذا قَدَّر له طاعةً جليلةً لا تُنال إلا بأعوان -: أن يُقدِّرَ له أعواناً عليها ومساعدين على حملِها، قال موسى عليه السلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾[طه: 29 - 34]، وكذلك امتنّ على عيسى بقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾[المائدة: 111]، وامتَنَّ على سيد الخلق في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال:62].
ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يُعطيَ عبدَه - من الأولادِ والأموالِ والأزواج - ما به تقرّ عينُه في الدنيا، ويحصُلُ له به السرور، ثم يبتليه ببعضِ ذلك، ويأخذُه ويُعوّضُه عليه الأجرَ العظيمَ إذا صبرَ واحتَسَب، فنعمةُ اللهِ عليه بأخذِه على هذا الوجهِ أعظمُ من نِعمتِه عليه في وجودِه، وقضاءُ مجرد وطَرِه الدنيوي منه. وهذا أيضاً خيرٌ وأجرٌ خارجٌ عن أحوالِ العبدِ بنفسه، بل هو لُطفٌ مِن الله له، قيّض له أسباباً أعاضَه عليها الثوابَ الجزيل، والأجرَ الجميل.
ومِن لُطفِ الله بعبدِه: أن يبتليَه ببعضِ المصائب، فيوفِّقَه للقيامِ بوظيفةِ الصبرِ فيها؛ فيُنيلُه درجاتٍ عاليةً لا يدركُها بعملِه، وقد يُشدِّد عليه الابتلاءَ بذلك، كما فُعِل بأيوب عليه السلام، ويوجِد في قلبه حلاوةَ روحِ الرجاء، وتأميلَ الرحمة، وكشفَ الضر، فيُخفَّف ألمُه، وتنشطُ نفسُه، ولهذا من لُطفِ الله بالمؤمنين: أنْ جَعَل في قلوبِهم احتسابَ الأجر؛ فخفَّتْ مصائبُهم، وهان ما يلقون من المشاقِّ في حصولِ مرضاتِه.
ومِن لُطفِ الله بعبدِهِ المؤمنِ الضعيف: أن يعافيَه من أسبابِ الابتلاءِ التي تُضعِف إيمانَه، وتُنقِصُ إيقانَه، كما أنّ مِن لُطفِه بالمؤمنِ القوي: تهيئة أسبابِ الابتلاءِ والامتحانِ ويعينُه عليها، ويحمِلُها عنه ويزدادُ بذلك إيمانُه، ويعظُمُ أجرُه، فسبحان اللطيفِ في ابتلائِه وعافيتِه، وعطائِه ومنعِه.
ومِن لطفِ الله بعبدِه: أنْ يسعى لكمالِ نفسِه مع أقربِ طريقِ يوصلُه إلى ذلك، مع وجودِ غيرِها من الطُرُقِ التي تبعُدُ عليه، فيُيَسّر عليه التعلُّم مِن كتابٍ أو مُعلمٍ يكونُ حصولُ المقصودِ به أقربَ وأسهل، وكذلك يُيسرُه لعبادةٍ يفعلُها بحالةِ اليسرِ والسهولة، وعدمِ التعويقِ عن غيرِها مما ينفعُه، فهذا من اللطف.
ومِن لُطفِ اللهِ تعالى بعبدِه: أنْ يجعلَ ما يبتليه به مِن المعاصي سبباً لرحمتِه، فيفتحُ له عند وقوعِ ذلك بابَ التوبةِ والتضرع، والابتهالِ إلى ربه، وازدراءِ نفسِه واحتقارِها، وزوالِ العُجبِ والكبرِ من قلبِه ما هو خيرٌ له من كثيرٍ من الطاعات.
ومِن لطفِه بعبدِه الحبيبِ عنده: إذا مالتْ نفسُه مع شهواتِ النفسِ الضارة، واسترْسلَتْ في ذلك؛ أن يُنَغِّصَها عليه ويُكدِّرَها، فلا يكاُد يتناولُ منها شيئاً إلا مَقروناً بالمكدِّرات، محشوّاً بالغصص؛ لئلا يميلَ معها كلَّ المَيل، كما أنّ مِن لُطفه به أن يُلذِّذ له التقرُّبات، ويُحَلِّي له الطاعات؛ ليَميلَ إليها كلَّ المَيل.
ومِن لَطيفِ لطفِ اللهِ بعبدِه: أن يأجُرَه على أعمالٍ لم يعملْها بل عزَمَ عليها، فيعزِمُ على قُربةٍ من القُرَب ثم تَنحلُّ عزيمتُه لسببٍ من الأسبابِ فلا يفعلُها، فيحصُلُ له أجرُها، فانظر كيف لَطَفَ اللهُ به! فأوقَعَها في قلبِه، وأَدارَها في ضميرِه، وقد عَلِمَ تعالى أنه لا يفعلُها؛ سَوقاً لبِرِّهِ لعبدِه وإحسانِهِ بكلِّ طريق. وأَلطَفَ من ذلك: أنْ يُقيِّضَ لعبدِهِ طاعةً أخرى غيرَ التي عَزَمَ عليها، هي أنفعُ له منها؛ فيَدَعَ العبدُ الطاعةَ التي تُرضي ربَّه لطاعةٍ أخرى هي أرضى لله منها، فتحصُلُ له المفعولةُ بالفعل والمعزومُ عليها بالنية، وإذا كان من يُهاجِرُ إلى اللهِ ورسولِه، ثم يُدرِكُهُ الموتُ قبل حصولِ مقصودِه قد وقَعَ أجرُهُ على الله - مع أنّ قَطعَ الموتِ بغيرِ اختياره - فكيف بمن قَطَعت عليه نيتُه الفاضلةُ طاعةً قد عَزَمَ على فعلِها؟! وربما أدار اللهُ في ضميرِ عبدِه عِدَّةَ طاعات، كلُّ طاعةٍ لو انفردتْ لفعلَها العبد؛ لكمالِ رغبتِه، ولا يمكنُ فعلُ شيءٍ منها إلا بتفويتِ الأخرى، فيوَفِّقُهُ للموازنةِ بينها، وإيثارِ أفضلِها فعلاً، مع رجاءِ حصولِها جميعهاً عَزْماً ونيةً.
وأَلْطفُ من هذا: أنْ يُقدِّرَ تعالى لعبدِه ويبتليهِ بوجودِ أسبابِ المعصية، ويُوفِّرَ له دواعيها، وهو تعالى يعلمُ أنه لا يفعلُها؛ ليكونَ تَرْكُهُ لتلك المعصيةِ التي توفَّرَتْ أسبابُ فِعلِها مِن أكبرِ الطاعات، كما لَطَفَ بيوسفَ عليه السلام في مُراودةِ المرأة، وأحدُ السبعةِ الذين يُظلُّهمُ اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظل إلا ظله: رجلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ.
ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يُقدِّرَ خيراً وإحساناً مِن عبدِه، ويُجرِيَه على يدِ عبدِه الآخر، ويجعله طريقاً إلى وصولِه للمُستَحِق، فيُثِيبُ اللهُ الأولَ والآخِرَ.
ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أن يُجرِيَ بشيءٍ مِن مالِه شيئاً من المنافعِ وخيراً لغيرِه؛ فيُثيبهُ من حيث لا يحتسِبُ، فمَن غَرَسَ غرساًَ، أو زَرَعَ زرعاً؛ فأصابت منه رُوحٌ من الأرواحِ المحترمةِ شيئاً، آجرَ اللهُ صاحبَه وهو لا يدري! خصوصاً إذا كانتْ عنده نيةٌ حسنة، وعَقَدَ مع ربِّه عقْداً في أنه مهما تَرتّب على ماله شيءٌ من النفع، فأسألُك يا ربِّ أنْ تأجرَني، وتجعلَه قربةً لي عندك، وكذلك لو كان له بهائمُ انْتُفِعَ بدَرِّها ورُكُوبِها والحَمْلِ عليها، أو مساكنُ انْتُفِعَ بسُكناها ولو شيئاً قليلاً، أو ماعونٌ ونحوُه انْتُفِع به، أو عينٌ شُرِبَ منها، وغيرُ ذلك - ككتابٍ انْتُفع به في تعلُّمِ شيءٍ منه، أو مُصحفٍ قُرئ فيه - والله ذو الفضل العظيم.
ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يفتحَ له باباً من أبوابِ الخيرِ لم يكن له على بال، وليس ذلك لقلةِ رغبتِه فيه، وإنما هو غفلةٌ منه، وذهولٌ عن ذلك الطريق، فلم يَشعُرْ إلا وقد وَجَدَ في قلبِهِ الداعيَ إليه، واللافتَ إليه؛ ففَرِحَ بذلك، وعَرَفَ أنها مِن أَلطافِ سيِّدِه، وطُرُقِه التي قَيّضَ وصولهَا إليه؛ فصَرَفَ لها ضَميرَه، ووجّه إليها فِكْرَه، وأَدرَكَ منها ما شاء اللهُ وفَتَحَ" اهـ كلامه : .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: المقال في أغلبه ملخص من كتاب "المواهب الربانية" لابن سعدي (بتصرف) ، ص: (119) وما بعدها.
موقع تدبر