‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورة الكهف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورة الكهف. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 31 مايو 2012

"سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا"

خرق السفينہ وقتل الغلام وحبس كنز اليتميـن .. هي رحمـۃ من ربک وهي قصص تمثل ثلاث أمور لابد أن تصادفنا في الحياة.
(*) خرق السفينہ يمثل فشل مشروعک. قد يكون العيب الذي يحصل في حياتک هو سر نجاحک ونجاتک من أمر قد يدمر نجاحک.
{وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينـۃ غصبا}
(*) قتل الغلام يمثل فقد ما نحب. قد يكون فقدک لما تحب هو رحمـۃ لک. قال تعالى: {فخشينا أن يرهقہما طغياناً وكفرا} و بموتہ تحققت ٣ رحمات:
١. رحمـۃ للغـلام - دخولہ للجنہ بلا ذنب.
٢. رحمـۃ لوالديہ - أبدالہم بخير في البر بہما.
٣. رحمـۃ للمجتمع - من الطغيان والظلم.
(*)حبس كنز اليتيمين يمثل تأخر رزقک. قد يكون تأخير في حياتک خير لک ورحمـۃ. {فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما} فقد كان اليتيمين عرضـۃ للأطماع وكانوا في ضُعف عن تـدبير أموالہم.
*هي قصص تمثل ٣ محاور رئيسيـۃ مـن قصـص حياتنا اليوميـۃ أراد اللہ أن يبين لنا بہا أن الأصل في أمورنا كلہا هي الرحمـۃ فلا نحزن على الظاهر و ننسى الرحمات المبطنـۃ فيہا من اللہ((
سبحانه ماأعظمه

الجمعة، 27 نوفمبر 2009

سورة الكهف والإبتلاء

تبدأ السورة بكلمة ﴿الحمد﴾، وهذا يوحي باشتمالها على نِعَم تستحق الحمد من العبد لله سبحانه وتعالى، وذكر في بداية ذلك إنزال القرآن على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذا إشارة إلى أنه من أعظم النِعم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا...﴾ الآيات، ثم جاء ما يشير إلى نِعم عامة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾، وذلك شامل للنعيم بكل صوره وأصنافه، ثم جاء التعقيب الذي يُعَدّ مفتاحًا من مفاتيح فهم السورة وموضوعها، ألا وهو قوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، فكأنّ في ذلك إشارة وتوجيهاً إلى أنّ هذه النِّعم التي تحيط بكم ،إنما هي ابتلاء واختبار لكم، والمطلوب هو حسن العمل: ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، ولم يُذكر هنا صلاح العمل، بل ذكره في ختام السورة ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، فأصبح الأمر دائرًا بين حُسن العمل مبدئه وصلاحه في منتهاه، أو أن حسنه مع أمور الدنيا وصلاحه مع أمور الآخرة. ولعل في ذكر حُسْنِ العمل مع الابتلاء ما يشير إلى أنّ المراد هو حُسْن التدبير، فيشمل ذلك حياة الإنسان كلها، وخصوصاً في مواقف الابتلاء والاختبار.وبهذا عرفنا أنّ الله سبحانه جعل كل ما على الأرض زينةً لاختبارِنا، فهل تنّبهنا لذلك؟ وهل شعرنا بهذا ونحن نقرأ السورة؟ فعاد أحدنا إلى نفسه ورأى ما هو فيه من الزينة والنعيم، وما جدّ عليه كل جمعة، ثم نظر أأدّى حق الله فيه أم لا؟ سؤالٌ حريٌّ بأن نجيب عليه ونحن نقرأ السورة كل جمعة.والتعقيب بـ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، يوحِي بأنّ الخَلاص مِن أسْرِ تلك الزينة، هو اليقين بأنها زائلة، وبهذا يحصل عند الإنسان توازن عجيب، فهي في نظره زينة جميلة، لكنها في الوقت ذاته زائلة متحولة، فلِمَ التعلّق بها؟ فيكتفي منها بما يتناسب مع قوله تعالى: ﴿أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. وبهذا الإيجاز في هذه المقدمة التي بُدِئت بها السورة، تبيّن لنا موضوع السورة، واتضحت علاقتها بالابتلاء، لهذا ذكرت مقدمتها مع شأن الدجال، وكذلك خاتمتها؛ لأنه أعظم الفتن التي يُختبر بها الخلق في آخر الزمان.وإذا ربطنا هذه النتيجة بما بدئت به السورة من ﴿الحمد﴾، أصبح لدينا الآتي:زينة دنيوية يُختَبر بها الناس في حُسن العمل، وحمدٌ لله على هذه النعمة، والحمد يعني الاعتراف بالمنعم، وتأدية حقه وشكره على ما أنعَم، وهذا من حُسن العمل، وهو سر النجاح في ذلك الامتحان، وكذلك في كل الامتحانات الواردة في السورة.إضافة إلى ذلك، فإنّ هذا الإجمال الوارد في المقدمة يحتاج إلى تفصيل، جاء بيانه وتوضيحه بذكر نماذج لهذه الابتلاءات، وإيضاح لسبيل الخروج منها، فجاءت قصص السورة الأربع، تحمل كل منها فتنة مرتبطة بالزينة وبهجة الحياة، أولها: الدِّين، في قصة أصحاب الكهف، ثم المال في قصة صاحب الجنتين، ثم العلم في قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح، ثم السلطان في قصة ذي القرنين.وإذا ربطنا الابتلاء بحُسن العمل وبالحمد، كانت النتيجة -كما ذكرنا- معرفة حق الله، والاعتماد عليه، وإرجاع الفضل إليه، وهذا هو سر النجاح، وهو ما بينته السورة جليًّا.فالامتحان الأول، هو اختبار الفتية في دينهم الذي اعتنقوه، وحمد الله وشكره يقتضي الصبر على هذه النعمة، ولو أوذوا في سبيل ذلك، ومما يعظّم الأمر، أنهم كانوا في زينة ورخاء في المدينة والقصور، فقد كانوا من أبناء البلاط كما يدل عليه صحبة الكلب لهم، ووجود الورِق معهم، وطلبهم أزكى الطعام، فإنه لا يطلب ذلك إلا من عرفه وتعوّد عليه، وقد أشارت إلى ذلك المصادر النصرانية التي روت القصة.إضافة إلى أنهم (فتية)، والفتية تعجبهم زينة الحياة الدنيا، وفتوّة الشباب وفورته، كل هذا كان من مظاهر الزينة معهم ، لكنهم مع هذا كله صبروا وشكروا ربهم ولجأوا إليه، وانتقلوا إلى مكان ليس فيه مِن أسباب الراحة شيء، وهو الكهف، تاركين مظاهر الزينة والرفاهية التي كثيراً ما تكون سبباً للزيغ والضلال، ولذلك ما ذُكر الترف في القرآن إلا مذموماً.ويأتي تأييد الله لهم واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى* وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، وهذا ملمح آخر، وهو أنّ الأسباب المادية أو القدرات الشخصية، لا تنفع شيئًا إذا نسيَ الإنسان صاحب الفضل، وهو الله سبحانه. الابتلاء الثاني: بالمال لصاحب الجنتين، والنعيم معه واضح من وصف الآيات ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا* كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾، فتأمل ذكر الجنة، والأعناب، والنخيل، والزرع، والنهر، والثمر، ولكنه لم يحمد ربه، ولم يشكر الخالق، ولم يعترف بالمُنعِم، فحصل له ما تم التحذير منه في أول السورة ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾.لقد أخفق في الامتحان، ونسب الفضل لنفسه، وتعاظَم على الناس وتكبّر فقال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، وتناسى قدرة ربّه فقال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾.فعاقبه الله بذهاب كل ما لديه، بقوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بكلمتين انتهى كل ذلك النعيم، لأن صاحب المال أخفق في الامتحان ولم يحسن العمل، ولم يشكر ربَّه، بل ظلم ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، رغم أن الجنتين التين أنعم الله بهما عليه لم تظلما بل ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف : 33] . الامتحان الثالث: بالعلم لموسى عليه السلام، ذلك أنّ العلم من الزينة العظيمة التي يتبوّأ الإنسان مكانًا رفيعًا، لكنه إذا رأى أنه قد بلغ الغاية في العلم، وترفّع به على غيره، فقد يكون ذلك خطرًا عليه، لأنه أبدى بوادر الاستغناء عن ربّه، كما يحصل لصاحب المال ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6، 7]، لهذا أراد الله أن يعلمنا منهجًا في ذلك من خلال قصة نبيٍّ من أعظم الأنبياء قدرًا، ومن أكثرهم تيسرًا لسبل العلم معه، فقد كلّم الله تكليمًا، إنه موسى عليه السلام، ومع هذا عندما قال عن نفسه إنه أعلم أهل الأرض؛ عتب الله عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِى بني إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أي النَّاسِ أَعْلَمُ فَقَالَ أَنَا فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّ لي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ" رواه البخاري.إن مثل هذا لن يقبل حتى من مثل موسى عليه السلام، فكيف بحالنا نحن؟ وأمر الله نبيه موسى عليه السلام أن يذهب إلى ذلك المعلم، فانصاع موسى لربِّه، وتواضع وصبر، وأسند الأمر إلى الخالِق، وشكر ربه بأن طلب العلم وصبر في سبيله، كما شكر الخضر فضل ربّه وأدّى العلم كما ينبغي، وهذا هو حسن العمل مع العلم: طلبه بصبر وتواضع واهتمام، وأداؤه بأمانة وصدق وشكر فقد قال الخضر في آخر المطاف: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف : 82]، فأسند النعمة للمنعم، وهذا هو سر الخلاص.لقد تعرض موسى في امتحانه هذا بضد مظاهر الزينة التي قد يتسبب فيها العلم، وهي المكانة والحظوة، والظهور واحتياج الناس لك، وسفرهم إليك، فقد تعرض للتعب والسفر، والتودد لغيره، والجوع والنصب، حتى نتعلم كيف نشكر الله إذا أنعم علينا بالعلم. الامتحان الرابع: بالسلطة مع ذي القرنين، إنها ليست سلطة عادية، بل أعطاه الله مِن كل شيءٍ سببًا، إنها صور متعددة من النعيم، قد تتسبب عند مَن لا يُحسن العمل بها في انحراف وجور وظلم، وقد كان هذا الملك الصالح نمطاً فريداً أحسن العمل، لقد حمد ربّه، واعترف بفضله، وقام بنشر دينه، وعدل بين الناس، ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا* وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾، وساعد الناس، ورفع الظلم عن المظلومين، واعترف بأن ذلك كله من ربّه فقال:﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾، وقال:﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾، وهذا هو حُسن العمل مع نعمة الملك. ولو أننا قرأنا السورة باستحضار هذه المعاني؛ لوجدنا أننا كل أسبوع قد نتعرض لشيء من هذا الامتحانات، فكيف نتعامل معها، إنّ المنهج واضح، لوم يبقَ لنا إلا أنْ نسترشد به في قراراتنا، وبهذا تكون سورة الكهف مرشدًا أسبوعيًّا لنا.والله الموفق. د: عويض العطوي

الاثنين، 10 أغسطس 2009

فوائد من قصة موسى والخضر للشيخ السعدي

وفي هذه القصة العجيبة الجليلة، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله. فمنها فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل، لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك. ومنها: البداءة بالأهم فالأهم، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل. ومنها: جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن، وطلب الراحة، كما فعل موسى. ومنها: أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه، إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه، وأين يريده، فإنه أكمل من كتمه، فإن في إظهاره فوائد من الاستعداد له عدته، وإتيان الأمر على بصيرة، وإظهارًا لشرف هذه العبادة الجليلة، كما قال موسى: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين غزا تبوك بوجهه، مع أن عادته التورية، وذلك تبع للمصلحة. ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس، من نصب أو جوع، أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا، لقول موسى: لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ومنها: استحباب كون خادم الإنسان، ذكيا فطنا كيسا، ليتم له أمره الذي يريده. ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعا، لأن ظاهر قوله: آتِنَا غَدَاءَنَا إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو وهو جميعا. ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله، يعان ما لا يعان غيره لقوله: لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا والإشارة إلى السفر المجاوز، لمجمع البحرين، وأما الأول، فلم يشتك منه التعب، مع طوله، لأنه هو السفر على الحقيقة. وأما الأخير، فالظاهر أنه بعض يوم، لأنهم فقدوا الحوت حين أووا إلى الصخرة، فالظاهر أنهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه آتِنَا غَدَاءَنَا فحينئذ تذكر أنه نسيه في الموضع الذي إليه منتهى قصده. ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبيا، بل عبدا صالحا، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، لذكر ذلك كما ذكره غيره. وأما قوله في آخر القصة: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ومنها: أن العلم الذي يعلمه الله [لعباده] نوعان: علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده. ونوع علم لدني، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ومنها: التأدب مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب، لقول موسى عليه السلام: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر، الذي لا يظهر للمعلم افتقارهم إلى علمه، بل يدعي أنه يتعاون هم وإياه، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه، وهو جاهل جدا، فالذل للمعلم، وإظهار الحاجة إلى تعليمه، من أنفع شيء للمتعلم. ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى -بلا شك- أفضل من الخضر. ومنها: تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه، ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة. فإن موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين، الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعط سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر، ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلم منه. فعلى هذا، لا ينبغي للفقيه المحدث، إذا كان قاصرا في علم النحو، أو الصرف، أو نحوه من العلوم، أن لا يتعلمه ممن مهر فيه، وإن لم يكن محدثا ولا فقيها. ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها لقوله: تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ أي: مما علمك الله تعالى. ومنها: أن العلم النافع، هو العلم المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك، فإما أن يكون ضارا، أو ليس فيه فائدة لقوله: أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ومنها: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن الثبات على ذلك، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم فمن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه، لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه. ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر، إحاطة الإنسان علما وخبرة، بذلك الأمر، الذي أمر بالصبر عليه، وإلا فالذي لا يدريه، أو لا يدري غايته ولا نتيجته، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا فجعل الموجب لعدم صبره، وعدم إحاطته خبرا بالأمر. ومنها: الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود. ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول إِنْ شَاءَ اللَّهُ ومنها: أن العزم على فعل الشيء، ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل. ومنها: أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء، حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها، فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصرا، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالا لا يتعلق في موضع البحث. ومنها: جواز ركوب البحر، في غير الحالة التي يخاف منها. ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله، ولا في حقوق العباد لقوله: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم، العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشق عليهم ويرهقهم، فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر. ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية، في الأموال، والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام، أنكر على الخضر خرقه السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها، في غير هذه الحال، التي صحب عليها الخضر، فاستعجل عليه السلام، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض، الذي يوجب عليه الصبر، وعدم المبادرة إلى الإنكار. ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه" يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير"ويراعي أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما، أعظم شرا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته، وإن كان يظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانهما خير من ذلك، فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد، ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها، داخل في هذا. ومنها: القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن" عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير"كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسان أو ماله، وكان إتلاف بعض المال، أو هدم بعض الدار، فيه سلامة للباقي، جاز للإنسان بل شرع له ذلك، حفظا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز، ولو من غير إذن. ومنها: أن العمل يجوز في البحر، كما يجوز في البر لقوله: يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ولم ينكر عليهم عملهم. ومنها: أن المسكين قد يكون له مال لا يبلغ كفايته، ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة، لأن الله أخبر أن هؤلاء المساكين، لهم سفينة. ومنها: أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ومنها: أن القتل قصاصا غير منكر لقوله بِغَيْرِ نَفْسٍ ومنها: أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه، وفي ذريته. ومنها: أن خدمة الصالحين، أو من يتعلق بهم، أفضل من غيرها، لأنه علل استخراج كنزهما، وإقامة جدارهما، أن أباهما صالح. ومنها: استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وأما الخير، فأضافه إلى الله تعالى لقوله: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ كما قال إبراهيم عليه السلام وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وقالت الجن: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا مع أن الكل بقضاء الله وقدره. ومنها: أنه ينبغي للصاحب أن لا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال، ويترك صحبته، حتى يعتبه، ويعذر منه، كما فعل الخضر مع موسى. ومنها: أن موافقة الصاحب لصاحبه، في غير الأمور المحذورة، مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة. ومنها: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أمورا يكرهها جدا، وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجا من لطفه وكرمه، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة. وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) . كان أهل الكتاب أو المشركون، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ذي القرنين، فأمره الله أن يقول: ( سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) فيه نبأ مفيد، وخطاب عجيب. أي: سأتلو عليكم من أحواله، ما يتذكر فيه، ويكون عبرة، وأما ما سوى ذلك من أحواله، فلم يتله عليهم. تفسير الشيخ السعدي

الأحد، 2 أغسطس 2009

صاحب الجنتين الزهو والبطر والغرور

وتبدأ القصة بمشهد الجنتين في ازدهار وفخامة:{ واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب، وحففناهما بنخل، وجعلنا بينهما زرعاً. كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً، وفجرنا خلالهما نهراً। وكان له ثمر }
جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر॥ إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال:{ كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً }.. ويختار التعبير كلمة { تظلم } في معنى تنقص وتمنع، لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر، وازدهى وتكبر।وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير: { فقال لصاحبه - وهو يحاوره - أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً }..ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور؛ وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه؛ وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبداً، أنكر قيام الساعة أصلاً، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون جنابه ملحوظاً في الآخرة!{ ودخل جنته وهو ظالم لنفسه. قال: ما أظن أن تبيد هـذه أبداً، وما أظن الساعة قائمة. ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلباً }!إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء، أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ!فأما صاحبه الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر.. فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى. معتز بعقيدته وإيمانه. معتز بالله الذي تعنو له الجباه؛ فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكراً عليه بطره وكبره، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم. وينذره عاقبة البطر والكبر. ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار:{ قال له صاحبه ـ وهو يحاوره ـ أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟ لكنا هو الله ربي، ولا أشرك بربي أحداً. ولولا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً. فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك، ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً، أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً }..وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب. وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال. وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله.
وأن نقمة الله جبارة وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين।وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار. ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار. فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن:{ وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وهي خاوية على عروشها، ويقول: يا ليتني لم أشرك بربي أحداً }॥وهو مشهد شاخص كامل: الثمر كله مدمر كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء. والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة. وصاحبها يقلب كفيه أسفاً وحزناً على ماله الضائع وجهده الذاهب. وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته. ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضيه غير قيمة الإيمان كان شركاً ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان.هنا يتفرد الله بالولاية والقدرة: فلا قوة إلا قوته، ولا نصر إلا نصره. وثوابه هو خير الثواب، وما يبقى عنده للمرء من خير فهو خير ما يتبقى:{ ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله، وما كان منتصراً. هنالك الولاية لله الحق، هو خير ثواباً وخير عقباً }..ويسدل الستار على مشهد الجنة الخاوية على عروشها، وموقف صاحبها يقلب كفيه أسفاً وندماً وجلال الله يظلل الموقف، حيث تتوارى قدرة الإنسان..وأمام هذا المشهد يضرب مثلاً للحياة الدنيا كلها. فإذا هي كتلك الجنة المضروبة مثلاً قصيرة قصيرة، لا بقاء لها ولا قرار:{ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً }..هذا المشهد يعرض قصيراً خاطفاً ليلقي في النفس ظل الفناء والزوال. فالماء ينزل من السماء فلا يجري ولا يسيل ولكن يختلط به نبات الأرض. والنبات لا ينمو ولا ينضج، ولكنه يصبح هشيماً تذروه الرياح. وما بين ثلاث جمل قصار، ينتهي شريط الحياة.ولقد استخدم النسق اللفظي في تقصير عرض المشاهد. بالتعقيب الذي تدل عليه الفاء:{ كماء أنزلناه من السماء } فـ { اختلط به نبات الأرض } فـ { أصبح هشيماً تذروه الرياح } فما أقصرها حياة! وما أهونها حياة!وبعد أن يلقي مشهد الحياة الذاهبة ظله في النفس يقرر السياق بميزان العقيدة قيم الحياة التي يتعبدها الناس في الأرض، والقيم الباقية التي تستحق الاهتمام:{ المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً، وخير أملاً }..المال والبنون زينة الحياة؛ والإسلام لا ينهى عن المتاع بالزينة في حدود الطيبات. ولكنه يعطيهما القيمة التي تستحقها الزينة في ميزان الخلود ولا يزيد.إنهما زينة ولكنهما ليسا قيمة.
فما يجوز أن يوزن بهما الناس ولا أن يقدروا على اساسهما في الحياة। إنما القيمة الحقة للباقيات الصالحات من الأعمال والأقوال والعبادات.وإذا كان أمل الناس عادة يتعلق بالأموال والبنين فإن الباقيات الصالحات خير ثواباً وخير أملا. عند ما تتعلق بها القلوب، ويناط بها الرجاء، ويرتقب المؤمنون نتاجها وثمارها يوم الجزاء.وهكذا يتناسق التوجيه الإلهي للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم في الغداة والعشي يريدون وجهه. مع إيحاء قصة الجنتين. مع ظل المثل المضروب للحياة الدنيا. مع هذا التقرير الأخير للقيم في الحياة وما بعد الحياة॥ وتشترك كلها في تصحيح القيم بميزان العقيدة. وتتساوى كلها في السورة وفق قاعدة التناسق الوجداني في القرآن.
في ظلال القرآن / سيد قطب

السبت، 1 أغسطس 2009

"المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا"

يقول تعالى{ ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا.. } [الكهف: 46] كلمة { زِينَةُ } أي: ليست من ضروريات الحياة، فهو مجرد شكل وزخرف؛ لأن المؤمن الراضي بما قُسِمَ له يعيش حياته سعيداً بدون مال، وبدون أولاد؛ لأن الإنسان قد يشقَى بماله، أو يشقى بولده، لدرجة أنه يتمنى لو مات قبل أن يُرزقَ هذا المال أو هذا الولد.وقد باتت مسألة الإنجاب عُقْدة ومشكلة عند كثير من الناس، فترى الرجل كَدِراً مهموماً؛ لأنه يريد الولد ليكون له عِزْوة وعِزّة، وربما يُزَرق الولد ويرى الذُّلَّ على يديه، وكم من المشاكل تُثار في البيوت؛ لأن الزوجة لا تنجب.ولو أيقن الناس أن الإيجاد من الله نعمة، وأن السَّلْب من الله أيضاً نعمة لاستراح الجميع، ألم نقرأ قول الله تعالى:{ لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }[الشورى: 49-50]إذن: فالعُقْم في ذاته نعمة وهِبَة من الله لو قبلها الإنسان من ربه لَعوَّضه الله عن عُقْمه بأنْ يجعل كل الأبناء أبناءه، ينظرون إليه ويعاملونه كأنه أبٌ لهم، فيذوق من خلالهم لذَّة الأبناء دون أن يتعب في تربية أحد، أو يحمل هَمَّ أحد.وكذلك، الذي يتكدر لأن الله رزقه بالبنات دون البنين، ويكون كالذي قال الله فيه:{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ }[النحل: 58]إنه يريد الولد ليكون عِزْوة وعِزّة. ونسى أن عزة المؤمن بالله لا بغيره، ونقول: والله لو استقبلت البنت بالفرح والرضا على أنها هِبَة من الله لكانتْ سبباً في أن يأتي لها زوج أبرّ بك من ولدك، ثم قد تأتي هي لك بالولد الذي يكون أعزّ عندك من ولدك.إذن: المال والبنون من زينة الحياة وزخرفها، وليسا من الضروريات، وقد حدد لنا النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا، فقال: " من أصبح مُعَافىً في بدنه، آمناً في سِرْبه ـ أي: لا يهدد أمنه أحد ـ وعنده قوت يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها " فما زاد عن ذلك فهو من الزينة، فالإنسان ـ إذن ـ يستطيع أن يعيش دون مال أو ولد، يعيش بقيم تعطي له الخير، ورضاً يرضيه عن خالقه تعالى.ثم يقول تعالى: { وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً } [الكهف: 46]لأن المال والبنين لن يدخلا معك القبر، ولن يمنعاك من العذاب، ولن ينفعك إلا الباقيات الصالحات. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أُهديَتْ إليه شاة، وكانت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ تعرف أن رسول الله يحب من الشاة الكتف؛ لأنه لَحْم رقيق خفيف؛ لذلك احتفظتْ لرسول الله بالكتف وتصدّقت بالباقي، فلما جاء صلى الله عليه وسلم قال: " ماذا صنعتِ في الشاة "؟ قالت: ذهبتْ كلها إلا كتفها، فضحك صلى الله عليه وسلم وقال: " بل بقيت كلها إلا كتفها ". وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: " هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبسْتَ فأبليْتَ، أو تصدَّقْتَ فأبقيْتَ ". وهذا معنى: { وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ.. } [الكهف: 46]والسؤال الذي يتبادر إلى الذِّهْن الآن: إذا لم يكُنْ المال والبنون يمثلان ضرورة من ضروريات الحياة، فما الضروريات في الحياة إذن؟ الضروريات في الحياة هي كُلُّ ما يجعل الدنيا مزرعة للآخرة، ووسيلة لحياة باقية دائمة ناعمة مسعدة، لا تنتهي أنت من النعيم فتتركه، ولا ينتهي النعيم منك فيتركك، إنه نعيم الجنة.الضروريات ـ إذن ـ هي الدين ومنهج الله والقِيَم التي تُنظم حركة الحياة على وَفْق ما أراد الله من خلق الحياة.ومعنى: { وَٱلْبَاقِيَاتُ } [الكهف: 46] ما دام قال { وَٱلْبَاقِيَاتُ } فمعنى هذا أن ما قبلها لم يكُنْ من الباقيات بل هو زائل بزوال الدنيا، ثم وصفها بالصالحات ليفرق بينها وبين الباقيات السيئات التي يخلدون بها في النار.{ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ.. } [الكهف: 46] خير عند مَنْ؟ لأن كل مضاف إليه يأتي على قوة المضاف إليه، فخَيْرك غير خير مَنْ هو أغنى منك، غير خير الحاكم، فما بالك بخير عند الله؟{ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً } [الكهف: 46]والأمل: ما يتطلع إليه الإنسان مما لم تكُنْ به حالته، فإنْ كان عنده خير تطلَّع إلى أعلى منه، فالأمل الأعلى عند الله تبارك وتعالى، كُلُّ هذا يُبيّن لنا أن هذه الدنيا زائلة، وأننا ذاهبون إلى يوم بَاقٍ؛ لذلك أردف الحق سبحانه بعد الباقيات الصالحات ما يناسبها، فقال تعالى: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً... }. خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى

منهجيات الإصلاح والتغيير في سورة الكهف

المنهجية الأولى: التدرج من الاستضعاف إلى الحوار ومنها إلى التمكين تمثل هذه المنهجية كما يتضح من عنوانها ثلاث مراحل متدرجة من الصراع بين الحق والباطل، تتمثل أولاها في مرحلة الاستضعاف الذي تمثله قصة الفتية أصحاب الكهف الذين آمنوا بربهم فتعرضوا للتهديد بالقتل رجماً إن لم يعودوا -مثل بقية الناس- عباداً لغير الله تعالى. ويستنبط الكاتب من السورة أنه أمام هذه الحالة ليس من الشجاعة أن يقف هؤلاء المستضعفون القلة عددا وعدة في مواجهة هذه الأنظمة القوية الفاسدة، بل الحكمة والشجاعة هي في اتباع منهج: {ولْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}. ويؤكد أن هذه الآية هي آية المنهج في القصة؛ فهي تلخص المنهج في الإصلاح والتغيير في أية حالة تتكرر فيها هذه الظروف نفسها، ويعتبر تجاوزاً من الدعاة أن يتخطوا هذه الآية إذا انطبقت عليهم الظروف نفسها. ويستدل على ذلك بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية التي استأسدت قوى الكفر على جماعة الإيمان فأذاقوهم ألواناً من العذاب والمطاردة حتى لما هاجروا إلى الحبشة وكان المنهج آنئذٍ: {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاة}، وقد قتلت سمية بحربة في قُبُلها ، وكذا زوجها قتل شهيدا ، ولا يملك الرسول r إلا قوله: "صَبْرَاً آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إلى الْجَنَّةِ". ثم استشهد الكاتب بصورة مغايرة في مرحلة التمكين حينما فاجأ بني قينقاع بالغزو عندما كشفوا عورة امرأة مسلمة واحدة في سوق بني قينقاع في المدينة؛ لأنه هنا معه دولة وقوة. وحماية الأفراد جزء من سيادة وكرامة الدولة، والإمكانات القانونية والأعداد البشرية كلها توجب اتخاذ موقف مختلف، هذا مع بساطة جريمة كشف عورة امرأة مسلمة إذا قيست بقتل سمية بحربة في قُبُلها. ثم ينتقل الكاتب إلى الحديث عن المرحلة الثانية من مراحل الصراع بين الحق والباطل من خلال هذه المنهجية وهي مرحلة التساوي في السلطة، والتي يمثلها في سورة الكهف قصة الصاحبين اللذين لا يملك أي منهما سلطانا على الآخر، لكن اختار أحدهما طريق الإيمان واختار الآخر طريق الكفر، وكان أمام الصاحب المؤمن هنا أحد ثلاثة اختيارات؛ إما أن يعتزل صاحبه كما اعتزل أصحاب الكهف المستضعفون قومهم، وإما أن يجابهه بالقوة ويقتله، وإما أن يحاوره ويستخدم الأسلوب العقلي والإقناعي ومجابهة الحجة بالحجة والدليل بالدليل، واختار الصاحب المؤمن الاختيار الثالث؛ ليكون منهج الدعوة في حالة التساوي في السلطة بين الأصدقاء، والشركاء، والجيران، والأعضاء في نقابة أو هيئة أو مؤسسة تكون الحقوق فيها متساوية، وهنا لا يجوز غير الحوار؛ ولذا اعتبر أن الآية الوحيدة التي تعبِّر بصدق وواقعية عن منهج الإصلاح والتغيير هنا هي: {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} وهي الكلمة الوحيدة المكررة مرتين في القصة حيث أظهر الكفر عند الحوار، فبادله صاحبه حوارا بحوار. وينطلق المؤلف -بحسه الدعوي وهمه الإسلامي- من هذا المبدأ إلى توجيه الدعوة للمؤسسات والجماعات والهيئات والأقليات الإسلامية إلى اعتماد مبدأ الحوار والانفتاح على مؤسسات المجتمع المدني كطريق ناجع وفعال في توصيل رسالة الإسلام، مقتدين في ذلك بالصحابة رضوان الله عليهم الذين هاجروا للحبشة في حوارهم مع النجاشي، وكذلك حالة الحوار التي فتحها النبي –صلى الله عليه وسلم- بعد صلح الحديبية مع ملوك الأرض ورؤساء القبائل وقادة العشائر ، مما وسع دائرة الدعوة والقبول لهذا الدين العظيم أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التمكين لأهل الحق، ويمثلها في سورة الكهف قصة ذي القرنين، الذي يمثل ذروة القمة للحق، الذي عبر القرآن عنه بقوله: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا}. ويعلق على هذه الحالة قائلا: "وهنا تتضح الصورة المثالية للملك الصالح حيث: {أَتْبَعَ سَبَبًا}؛ أي استفاد من هذه الإمكانات الهائلة في الأخذ بالأسباب، والنزول إلى الناس في مغرب الشمس ومشرقها وما بين ذلك، ودخل إلى مناطق الأنهار والبحار والسدود؛ كي يحقق العدل في هذا الإعلان الواضح: {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا}، وهو أعلى مستويات الإصلاح والتغيير بأكبر الإمكانات المتاحة، واستخدام السلطة القضائية والتنفيذية لإقرار العدل ومكافأة المحسنين الصالحين". وحينما شكا قوم يأجوج ومأجوج كان المنهج المناسب هنا هو {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}، ويعلق أن هذه القوة تمثل قوة العلم والمادة، قوة اتخاذ القرار، قوة البناء والعمران، قوة التصنيع والتصدير، قوة الحماية والرعاية، قوة البذل والعطاء، قوة فعل الخير ونفع الغير ومنع الشر، قوة مواجهة الظلم بزبر الحديد والسبائك المعدنية والأسلحة المتنوعة، لأن هاهنا دولة أو مملكة وصلاحيات وسلطات يجب استخدامها في الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله।
د। صلاح سلطان

الأربعاء، 29 يوليو 2009

هل سبرت أغوار الكهف؟

سورة الكهف هدف السورة: العصمة من الفتن, سورة الكهف هي من السورة المكية وهي إحدى خمس سورة بدأت بـ (الحمد لله) (الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر) وهذه السورة ذكرت أربع قصص قرآنية هي أهل الكهف، صاحب الجنتين، موسى عليه السلام والخضر وذو القرنين। ولهذه السورة فضل كما قال النبي : " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء الله له من النور ما بين قدميه وعنان السماء" وقال" من أدرك منكم الدجال فقرأ عليه فواتح سورة الكهف كانت له عصمة من الدجّال" والأحاديث في فضلها كثيرة।وقصص سورة الكهف الأربعة يربطها محور واحد وهو أنها تجمع الفتن الأربعة في الحياة: فتنة الدين (قصة أهل الكهف)، فتنة المال (صاحب الجنتين)، فتنة العلم (موسى عليه السلام والخضر) وفتنة السلطة (ذو القرنين)। وهذه الفتن شديدة على الناس والمحرك الرئيسي لها هو الشيطان الذي يزيّن هذه الفتن ولذا جاءت الآية (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) آية 50 وفي وسط السورة أيضاً. ولهذا قال الرسول أنه من قرأها عصمه الله تعالى من فتنة المسيح الدجّال لأنه سيأتي بهذه الفتن الأربعة ليفتن الناس بها. وقد جاء في الحديث الشريف: "من خلق آدم حتى قيام ما فتنة أشدّ من فتنة المسيح الدجال" وكان يستعيذ في صلاته من أربع منها فتنة المسيح الدجال. وقصص سورة الكهف كل تتحدث عن إحدى هذه الفتن ثم يأتي بعده تعقيب بالعصمة من الفتن:1.فتنة الدين: قصة الفتية الذين هربوا بدينهم من الملك الظالم فآووا إلى الكهف حيث حدثت لهم معجزة إبقائهم فيه ثلاثمئة سنة وازدادوا تسعا وكانت القرية قد أصبحت كلها على التوحيد. ثم تأتي آيات تشير إلى كيفية العصمة من هذه الفتنة (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) آية 28 – 29. فالعصمة من فتنة الدين تكون بالصحبة الصالحة وتذكر الآخرة.2.فتنة المال: قصة صاحب الجنتين الذي آتاه الله كل شيء فكفر بأنعم الله وأنكر البعث فأهلك الله تعالى الجنتين. ثم تأتي العصمة من هذه الفتنة (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) آية 45 و46. والعصمة من فتنة المال تكون في فهم حقيقة الدنيا وتذكر الآخرة.3.فتنة العلم: قصة موسى عليه السلام مع الخضر وكان موسى ظنّ أنه أعلم أهل الأرض فأوحى له الله تعالى بأن هناك من هو أعلم منه فذهب للقائه والتعلم منه فلم يصبر على ما فعله الخضر لأنه لم يفهم الحكمة في أفعاله وإنما أخذ بظاهرها فقط. وتأتي آية العصمة من هذه الفتنة (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) آية 69. والعصمة من فتنة العلم هي التواضع وعدم الغرور بالعلم.4.فتنة السلطة: قصة ذو القرنين الذي كان ملكاً عادلاً يمتلك العلم وينتقل من مشرق الأرض إلى مغربها عين الناس ويدعو إلى الله وينشر الخير حتى وصل لقوم خائفين من هجوم يأجوج ومأجوج فأعانهم على بناء سد لمنعهم عنهم وما زال السدّ قائماً إلى يومنا هذا. وتأتي آية العصمة (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) آية 103 و104. فالعصمة من فتنة السلطة هي الإخلاص لله في الإعمال وتذكر الآخرة.5.ختام السورة: العصمة من الفتن: آخر آية من سورة الكهف تركّز على العصمة الكاملة من الفتن بتذكر اليوم الآخرة (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) آية 110 فعلينا أن نعمل عملاً صالحاً صحيحاً ومخلصاً لله حتى يَقبل، والنجاة من الفتن إنتظار لقاء الله تعالى.ومما يلاحظ في سورة الكهف ما يلي:1.الحركة في السورة كثيرة (فانطلقا، فآووا، قاموا فقالوا، فابعثوا، ابنوا، بلغا، جاوزا، فوجدا، آتنا،) وكأن المعنى أن المطلوب من الناس الحركة في الأرض لأنها تعصم من الفتن ولهذا قال ذو القرنين: (فأعينوني بقوة) أي دعاهم للتحرك ومساعدته ولهذا فضل قراءتها في يوم الجمعة الذي هو يوم إجازة للمسلمين حتى تعصمنا من فتن الدنيا.2.وهي السورة التي ابتدأت بالقرآن وختمت بالقرآن: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) آية 1 و (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) آية 109. وكأن حكمة الله تعالى في هذا القرآن لا تنتهي وكأن العصمة من الفتن تكون بهذا القرآن والتمسك به.3.الدعوة إلى الله موجودة بكل مستوياتها: فتية يدعون الملك وصاحب يدعو صاحبه ومعلّم يدعو تلميذه وحاكم يدعو رعيته.4.ذكر الغيبيات كثيرة في السورة: في كل القصص: عدد الفتية غيب وكم لبثوا غيب وكيف بقوا في الكهف غيب والفجوة في الكهف غيب، وقصة الخضر مع موسى عليه السلام كلها غيب، وذو القرنين غيب. وفي هذا دلالة على أن في الكون أشياء لا ندركها بالعين المجردة ولا نفهمها ولكن الله تعالى يدبّر بقدرته في الكون وعلينا أن نؤمن بها حتى لو لم نراها أو نفهمها وإنما نسلّم بغيب الله تعالى.سميت السورة بـ(سورة الكهف): الكهف في قصة الفتية كان فيه نجاتهم مع إن ظاهره يوحي بالخوف والظلمة والرعب لكنه لم يكن كذلك إنما كان العكس (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) آية 16 . فالكهف في السورة ما هو إلا تعبير أن العصمة من الفتن أحياناً تكون باللجوء إلى الله حتى لو أن ظاهر الأمر مخيف.وهو رمز الدعوة إلى الله فهو كهف الدعوة وكهف التسليم لله ولذا سميت السورة (الكهف) وهي العصمة من الفتن.
موقع أهل التأويل

فوائد من سورة الكهف

1- قال تعالى :: ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) يستفاد من هذه الآية : أن القرآن منزل من الله غير مخلوق ॥ منه بدأ وإليه يعود .. تكلم به حقيقة .. وأجمع العلماء على أن من قال بخلق القرآن فقد كفر وخرج عن الملة ।2- قال ابن القيم : ذكر الله نبيه بوصف العبودية في أشرف المقامات ::إنزال القرآن ... ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) .حادثة الإسراء .. ( الحمد لله الذي أسرى بعبده ) .الدعوة إلى الله .. ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه ) .3- قال تعالى :: ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ) .يستفاد من هذه الآية : أن حسن العمل يبنى على الأمرين التاليين : ( الإخلاص والمتابعة ) . 4- قال تعالى :: ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ) .يستفاد من هذه الآية : الرد على من يقولون بعدم جواز ذكر القصص .. كبرت كلمة تخرج من أفواههم .. فالقصص منهج قرآني رباني .. والله سبحانه وتعالى قد حثَّ نبيه على ذكر القصص .. قال تعالى :: ( فاقصصِ القصص لعلهم يتفكرون ) فليحذر الذين يتكلمون في هذا الجانب .. ولينتبهوا .. وليعلموا أن من رفض القصص فقد رفض القرآن ...5- قال تعالى :: ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) .قال بعض الصالحين : من أحب أهل الخير نالته بركتهم .. كلبٌ أحبّ الصالحين ذكره الله في القرآن .6- قال تعالى :: ( ولا يشعرنَّ بكم أحداً ) .يستفاد من هذه الآية : مشروعية كتمان بعض الأعمال وعدم إظهارها . 7- قال تعالى :: ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ) .قال العلماء : المشيئة تكون في الأمور المستقبلية القادمة ، لا الماضية .8- قال تعالى :: ( واضرب لهم مثلاً رجلين ) .في هذه الآية دليل على ضرب الأمثلة .. وهي طريقة مثالية ونافعة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ..9- قال تعالى :: ( قال له صاحبه وهو يحاوره ) .فالحوار والجدال مطلوب .. وهو من أنفع الوسائل التي يستخدمها الداعية في طريق دعوته .. قال تعالى : ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) .10- قال تعالى :: ( ولولا إذ دخلت جنَّتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) .استدل العلماء بهذه الآية : على أن كل من دخل بيتاً أو رأى نعمة .. أن يعترف بفضل الله .. وأن يقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله ..11- قال تعالى :: ( والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ) .فسَّر العلماء هذه الآية أنها تشمل جميع الحسنات .. وأعمال الخير والبر .. 12- قال تعالى :: ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) . - سجود الملائكة لآدم ليس سجود عبادة .. وإنما سجود طاعة لله سبحانه وتعالى .. تشريفاً وتكريماً لآدم .. - ليس إبليس من الملائكة .. وهذا الذي رجحه جمع من أهل العلم .. والدليل قوله تعالى :: ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) . ولأن الملائكة خلقوا من نور والشيطان خلق من نار ..13- قال تعالى :: ( وكان الإنسان أكثر شيئ جدلاً ) .فالجدال نوعان : - جدال من أجل طلب الحق .. فهذا لاشيء فيه ، بل مشروع ..- جدال من أجل اتباع الهوى .. وهذا هو الذي ينبغي تركه ..14- قال تعالى :: ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ) .تنبيه : عدم صحة من يسمي المنصرين بـ ( التبشير ) فهم مبشرون ولكن بنار جهنم والعياذ بالله ..بل الرسل هم الذين سماهم الله بـ ( مبشرين ومنذرين ) .15- قال تعالى :: ( فوجدا عبداً من عبادنا ) .العبد : هو الخضر عليه السلام . وسبب تسميته بذلك : لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء .. ( البخاري ) .16- قال تعالى :: ( وعلَّمناه من لدنا علماً ) .بهذه الآية استدل العلماء على نبوة الخضر عليه السلام .. والدليل الثاني : قوله تعالى :: ( وما فعلته عن أمري ) .17- قال تعالى :: ( قال هل أتبعك على أن تعلمني مما علِّمت رشداً ) .يستفاد من هذه الآية : تلطف طالب العلم بشيخه ورفقه به .18- قال تعالى :: ( قال ستجدني إن شاء الله صابراً ) .يستفاد من ذلك : استحباب ذكر المشيئة في الأعمال المستقبلية .19- قال تعالى :: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ) .يستفاد من هذه الآية : أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة .. فكفر الأبوين بالله جل شأنه .. أعظم من موت هذا الغلام .. 20- قال تعالى :: ( وكان أبوهما صالحاً ) .استدل العلماء بهذه الآية : على أن صلاح الآباء صلاحٌ للأبناء .. قال سعيد بن المسيب : إني لأزيد في الصلاة من أجل ابني ..( فاحفظ الله يحفظك ) .. يحفظك في دينك وأهلك ومالك .. 21- قال تعالى :: ( فأردت أن أعيبها ) .في هذه الآية : تأدب الخضر عليه السلام مع ربه .. حيث نسب الفعل إلى نفسه مع أن الله هو الذي أمره بذلك .. وهذا زيادة أدب مع الله جل شأنه ..وقد كره بعض السلف قولك : أخزى الله الكلب .. لأنها جمعت بين لفظ الجلالة وبين هذا الحيوان .. 22- من فوائد قصة موسى والخضر :- - الرحلة في طلب العلم .. وقد حثَّ العلماء على هذا ، واستحبوا أن يرحل الطالب إلى العلماء لملاقاتهم والجلوس بين أيديهم . وقد كان بعض السلف يرحل من أجل حديث واحد ..- الموافقة في الصحبة طريق إلى دوامها .. وهذا في الأمور الدنيوية السهلة .. لا في الأمور الشرعية العويصة ..23- قال تعالى :: ( ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزواً ) .أجمع العلماء على أن من استهزأ بشيء من الدين فقد خرج من الملة .. وكفر بالله سبحانه وتعالى .. سواء كان ذلك ذاكراً أم ناسياً .. قاصداً أم لم يقصد .24- قال تعالى :: ( قل إنما أنا بشرٌ مثلكم ) .في هذه الآية رد على غلاة الصوفية الذين بالغوا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم .. ووصفه بأوصافٍ لا تليق ..25- كل الأحاديث التي جاء فيها الوصف الخلقي ليأجوج ومأجوج لا يصح منها شيء .
موقع أهل التأويل

الثلاثاء، 28 يوليو 2009

ما هي المناسبة وأوجه الترابط بين سورتي الإسراء والكهف ؟

جاءت هذه السورة لتصحح العقائد الفاسدة والمفاهيم الخاطئةأما أوجه الترابط بين السورتين فهي : 1. تستهل سورة الإسراء بقوله تعالى :"سبحان الذي أسرى بعبده.. "، وتستهل سورة الكهف بقوله تعالى :"الحمد لله الذي أنزل على عبده000 " وهناك علاقة وطيدة وقران بين التسبيح والتحميد دائما ( سبحان الله والحمد لله) 2. سورة الإسراء اختتمت بتنزيه الله عز وجل عن اتخاذ الولد بقوله تعالى "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا" والآية الرابعة من سورة الكهف :"وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا " بإنذار الذين يقولون أن الله اتخذ ولدا 3. وآخر جملة في سورة الكهف هذه الوصية :"ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ". ومن الجمل التي وردت في آخر آية من سورة الإسراء :"ولم يكن له شريك في الملك ".

الجمعة، 24 يوليو 2009

روائع سورة الكهف

قصة أصحاب الكهف قصة غريبة، فقد هرب الفتية من ظلم الملك الجائر ولجأوا إلى كهف ودعوا الله أن يهيء لهم من أمرهم رشداً. وشاء الله أن يكرمهم ويجعلهم معجزة لمن خلفهم، وأنزل سورة كاملة تحمل اسم (الكهف) تكريماً لهؤلاء الفتية. ولكن المشككين كعادتهم يحاولون انتقاد النص القرآني ويقولون: إن القرآن من تأليف البشر، لأنه لا يمكن لأناس أن يناموا 309 سنوات ثم يستيقظوا، إنها مجرد أسطورة – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. إنني على يقين بأن معجزات القرآن لا تنفصل عن بعضها. فالإعجاز العددي تابع للإعجاز البياني، وكلاهما يقوم على الحروف والكلمات. وقد تقودنا معاني الآيات إلى اكتشاف معجزة عددية! وهذا ما نجده في قصة أصحاب الكهف، فجميعنا يعلم بأن أصحاب الكهف قد لبثوا في كهفهم 309 سنوات. وهذا بنص القرآن الكريم, يقول تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) [الكهف: 25]. فالقصة تبدأ بقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً......) [الكهف: 9-12]. وتنتهي عند قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً* قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) [الكهف:25-26]. والسؤال الذي طرحته: هل هنالك علاقة بين عدد السنوات التي لبثها أصحاب الكهف، وبين عدد كلمات النص القرآني؟ وبما أننا نستدلّ على الزمن بالكلمة فلا بد أن نبدأ وننتهي بكلمة تدل على زمن. وبما أننا نريد أن نعرف مدة ما (لبثوا) إذن فالسرّ يكمن في هذه الكلمة. لقد بحثت طويلاً بهدف اكتشاف سر هذه القصة، ووجدتُ أن بعض الباحثين قد حاولوا الربط بين عدد كلمات القصة وبين العدد 309 ولكنني اتبعت منهجاً جديداً شديد الوضوح وغير قابل للنقض أو التشكيك. فقد قمت بعدّ الكلمات كلمة كلمة مع اعتبار واو العطف كلمة مستقلة لأنها تُكتب منفصلة عما قبلها وبعدها (انظر موسوعة الإعجاز الرقمي)، وكانت المفاجأة! فلو تأملنا النص القرآني الكريم منذ بداية القصة وحتى نهايتها، فإننا نجد أن الإشارة القرآنية الزمنية تبدأ بكلمة (لبثوا) في الآية 12 وتنتهي بالكلمة ذاتها، أي كلمة (لبثوا) في الآية 26. والعجيب جداً أننا إذا قمنا بعدّ الكلمات (مع عد واو العطف كلمة)، اعتباراً من كلمة (لبثوا) الأولى وحتى كلمة (لبثوا) الأخيرة، فسوف نجد بالتمام والكمال 309 كلمات بعدد السنوات التي لبثها أصحاب الكهف!!! وهذا هو النص القرآني يثبت صدق هذه الحقيقة، لنبدأ العدّ من كلمة (لبثوا): لَبِثُوا*أَمَداً*نَحْنُ*نَقُصُّ*عَلَيْكَ*نَبَأَهُم*بِالْحَقِّ*إِنَّهُمْ*فِتْيَةٌ*آمَنُوا*10 بِرَبِّهِمْ*وَ*زِدْنَاهُمْ*هُدًى*و*رَبَطْنَا*عَلَى*قُلُوبِهِمْ*إِذْ*قَامُوا*20 فَقَالُوا*رَبُّنَا*رَبُّ*السَّمَاوَاتِ*وَ*الْأَرْضِ*لَن*نَّدْعُوَ*مِن*دُونِهِ*30 إِلَهاً*لَقَدْ*قُلْنَا*إِذاً*شَطَطاً*هَؤُلَاء*قَوْمُنَا*اتَّخَذُوا*مِن*دُونِهِ*40 آلِهَةً*لَّوْلَا*يَأْتُونَ*عَلَيْهِم*بِسُلْطَانٍ*بَيِّنٍ*فَمَنْ*أَظْلَمُ*مِمَّنِ*افْتَرَى*50 عَلَى*اللَّهِ*كَذِباً*وَ*إِذِ*اعْتَزَلْتُمُوهُمْ*وَ*مَا*يَعْبُدُونَ*إِلَّا*60 اللَّهَ*فَأْوُوا*إِلَى*الْكَهْفِ*يَنشُرْ*لَكُمْ*رَبُّكُم*مِّن*رَّحمته*و*70 يُهَيِّئْ*لَكُم*مِّنْ*أَمْرِكُم*مِّرْفَقاً*وَ*تَرَى*الشَّمْسَ*إِذَا*طَلَعَت*80 تَّزَاوَرُ*عَن*كَهْفِهِمْ*ذَاتَ*الْيَمِينِ*وَ*إِذَا*غَرَبَت*تَّقْرِضُهُمْ*ذَاتَ*90 الشِّمَالِ*وَ*هُمْ*فِي*فَجْوَةٍ*مِّنْهُ*ذَلِكَ*مِنْ*آيَاتِ*اللَّهِ*100 مَن*يَهْدِ*اللَّهُ*فَهُوَ*الْمُهْتَدِ*وَ*مَن*يُضْلِلْ*فَلَن*تَجِدَ*110 لَهُ*وَلِيّاً*مُّرْشِداً*وَ*تَحْسَبُهُمْ*أَيْقَاظاً*وَ*هُمْ*رُقُودٌ*وَ*120 نُقَلِّبُهُمْ*ذَاتَ*الْيَمِينِ*وَ*ذَاتَ*الشِّمَالِ*وَ*كَلْبُهُم*بَاسِطٌ*ذِرَاعَيْهِ*130 بِالْوَصِيدِ*لَوِ*اطَّلَعْتَ*عَلَيْهِمْ*لَوَلَّيْتَ*مِنْهُمْ*فِرَاراً*وَ*لَمُلِئْتَ*مِنْهُمْ*140 رُعْباً*وَ*كَذَلِكَ*بَعَثْنَاهُمْ*لِيَتَسَاءلُوا*بَيْنَهُمْ*قَالَ*قَائِلٌ*مِّنْهُمْ*كَمْ*150 لَبِثْتُمْ*قَالُوا*لَبِثْنَا*يَوْماً*أَوْ*بَعْضَ*يَوْمٍ*قَالُوا*رَبُّكُمْ*أَعْلَمُ*160 بِمَا*لَبِثْتُمْ*فَابْعَثُوا*أَحَدَكُم*بِوَرِقِكُمْ*هَذِهِ*إِلَى*الْمَدِينَةِ*فَلْيَنظُرْ*أَيُّهَا*170 أَزْكَى*طَعَاماً*فَلْيَأْتِكُم*بِرِزْقٍ*مِّنْهُ*وَ*لْيَتَلَطَّفْ*وَ*لا*يُشْعِرَنَّ*180 بِكُمْ*أَحَداً*إِنَّهُمْ*إِن*يَظْهَرُوا*عَلَيْكُمْ*يَرْجُمُوكُمْ*أَوْ*يُعِيدُوكُمْ*فِي*190 مِلَّتِهِمْ*وَ*لَن*تُفْلِحُوا*إِذاً*أَبَداً*وَ*كَذَلِكَ*أَعْثَرْنَا*عَلَيْهِمْ*200 لِيَعْلَمُوا*أَنَّ*وَعْدَ*اللَّهِ*حَقٌّ*وَ*أَنَّ*السَّاعَةَ*لَا*رَيْبَ*210 فِيهَا*إِذْ*يَتَنَازَعُونَ*بَيْنَهُمْ*أَمْرَهُمْ*فَقَالُوا*ابْنُوا*عَلَيْهِم*بُنْيَاناً*رَّبُّهُمْ*220 أَعْلَمُ*بِهِمْ*قَالَ*الَّذِينَ*غَلَبُوا*عَلَى*أَمْرِهِمْ*لَنَتَّخِذَنَّ*عَلَيْهِم*مَّسْجِداً*230 سَيَقُولُونَ*ثَلاثَةٌ*رَّابِعُهُمْ*كَلْبُهُمْ*وَ*يَقُولُونَ*خَمْسَةٌ*سَادِسُهُمْ*كَلْبُهُمْ*رَجْماً*240 بِالْغَيْبِ*وَ*يَقُولُونَ*سَبْعَةٌ*وَ*ثَامِنُهُمْ*كَلْبُهُمْ*قُل*رَّبِّي*أَعْلَمُ*250 بِعِدَّتِهِم*مَّا*يَعْلَمُهُمْ*إِلَّا*قَلِيلٌ*فَلَا*تُمَارِ*فِيهِمْ*إِلَّا*مِرَاء*260 ظَاهِراً*وَ*لَا*تَسْتَفْتِ*فِيهِم*مِّنْهُمْ*أَحَداً*وَ*لَا*تَقُولَنَّ*270 لِشَيْءٍ*إِنِّي*فَاعِلٌ*ذَلِكَ*غَداً*إِلَّا*أَن*يَشَاءَ*اللَّهُ*وَ*280 اذْكُر*رَّبَّكَ*إِذَا*نَسِيتَ*وَ*قُلْ*عَسَى*أَن*يَهْدِيَنِ*رَبِّي*290 لِأَقْرَبَ*مِنْ*هَذَا*رَشَداً*وَ*لَبِثُوا*فِي*كَهْفِهِمْ*ثَلاثَ*مِئَةٍ*300 سِنِينَ*وَ*ازْدَادُوا*تِسْعاً*قُلِ*اللَّهُ*أَعْلَمُ*بِمَا*لَبِثُوا*309 تأملوا معي كيف جاء عدد الكلمات من (لبثوا) الأولى وحتى (لبثوا) الأخيرة مساوياً 309 كلمات!! إنها مفاجأة بالفعل، بل معجزة لأنه لا يمكن أن تكون مصادفة! إذن البعد الزمني للكلمات القرآنية بدأ بكلمة (لبثوا) وانتهى بكلمة (لبثوا)، وجاء عدد الكلمات من الكلمة الأولى وحتى الأخيرة مساوياً للزمن الذي لبثه أصحاب الكهف. والذي يؤكد صدق هذه المعجزة وأنها ليست مصادفة هو أن عبارة (ثلاث مئة) في هذه القصة جاء رقمها 300 ، وهذا يدلّ على التوافق والتطابق بين المعنى اللغوي والبياني للكلمة وبين الأرقام التي تعبر عن هذه الكلمة. وهنا لا بدّ من وِقفة بسيطة هل يُعقل أن المصادفة جعلت كلمات النص القرآني وتحديداً من كلمة (لبثوا) الأولى وحتى كلمة (لبثوا) الأخيرة 309 كلمات بالضبط بعدد السنوات التي لبثها أصحاب الكهف؟ وإذا كانت هذه مصادفة، فهل المصادفة أيضاً جعلت ترتيب الرقم (ثلاث مئة) هو بالضبط 300 بين كلمات النص الكريم؟ هل هي المصادفة أم تقدير العزيز العليم؟! ماذا نستفيد من هذه المعجزة الرقمية؟ قد يقول قائل: وماذا يعني ذلك؟ ونقول إنه يعني الكثير: 1- إن التطابق بين كلمات النص وبين عدد السنوات 309 يدل على أن هذا النص هو كلام الله تعالى، ولا يمكن لبشر أن يقوم بهذا الترتيب المحكم مهما حاول، وبخاصة أن النبي الأعظم عاش في عصر لم يكن علم الإحصاء والأرقام متطوراً بل كان علماً بسيطاً. 2- إن هذا التطابق المذهل بين عدد كلمات النص وبين العدد 309 يدل على سلامة النص القرآني، فلو حدث تحريف لاختل عدد الكلمات واختفت المعجزة، إذاً هذا التطابق العددي دليل على أن القرآن لم يحرّف كما يدعي الملحدون. 3- بالنسبة لي كمؤمن فإن مثل هذا التطابق العددي يزيدني إيماناً وخشوعاً أمام عظمة كتاب الله تعالى، وهذا هو حال المؤمن عندما يرى معجزة فإنه يزداد إيماناً وتسليماً لله عز وجل: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [الأحزاب: 22]. 4- في هذه المعجزة ردّ على أولئك المشككين بصدق هذه القصة والذين يقولون إنها أسطورة، مثل هذه المعجزة ترد عليهم قولهم وتقدم البرهان المادي الملموس على صدق كتاب الله تبارك وتعالى. 5- لو قمنا بامقارنة بين التقويم القمري والتقويم الشمسي نجد أن السنة القمرية أقصر من السنة الشمسية بحدود 3 بالمئة، وعلى هذا الأساس نجد أن 300 سنة شمسية تساوي بالتمام والكمال 309 سنة قمرية (300 × 0.03 = 9 سنوات)، وهنا نرى لمحة إعجازية في قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) وكأن المولى تبارك وتعالى يريد أن يعطينا إشارة رائعة إلى الفارق بين التقويمين وهو 0.03 هذه النسبة لم يكن لمحمد صلى الله عليه وسلم علم بها، ولكن الله أودعها في كتابه لتُضاف إلى معجزات هذه السورة العظيمة. سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
موقع عبدالدائم كحيل للإعجاز العلمي في القرآن الكريم

الخميس، 23 يوليو 2009

سورة الكهف وضرورة التغيير

لعل من الأمور المساعدة على اكتشاف المعاني، النظر للنص من أكثر من زاوية، والدخول له من أكثر من مدخل، ومحاولة جمع المتشابهات والمتخالفات في الأمور التي يمكن الموازنة بينها، ومن ذلك القصص القرآني، فيمكن استثمار القصص الواردة في السورة الواحدة؛ لمعرفة دلالات كثيرة ودقيقة، ولعلي هنا أقف مع سورة الكهف وقصصها الأربعة بالترتيب الآتي:قصة الفتية، ثم قصة صاحب الجنتين، ثم قصة موسى والعبد الصالح، ثم قصة ذي القرنين، ويمكننا أن ننظر إلى هذه القصص من زوايا عدة مثل:1- موضوع القصة العام.2- طريقة عرض القصة.3- طريقة استهلال القصة.4- طريقة ختام القصة.5- التعقيب على القصة.6- أهم أفكار القصة.7- الزمان في القصة.8- المكان في القصة.9- المشترك في القصص.10- ما تتميّز به كل قصة.وسأثير هنا بعض المعاني والدلالات، وأشير إلى بعض الملامح السريعة في القصص الأربعة، وأترك الباقي للتأمل والنظر.فمثلاً لو استعرضنا قضية المكان في القصص الأربعة، وكيفية التعامل معه، لوجدناه في القصة الأولى (المدينة والكهف)، وفي الثانية (الجنتان)، وفي الثالثة (مجمَع البحرين، البحر، الصخرة، القرية، المدينة)، وفي الرابعة (مغرب الشمس، مطلع الشمس، وبين السدين).ولو تأملنا كيفية التعامل مع هذه الأمكنة، لوجدنا أن القصص الثلاثة (الفتية، وموسى، وذو القرنين) فيها انتقال ظاهر من مكان إلى آخر، فيها تغيير للمكان، فيها حركة، والقصة الوحيدة التي فيها دخول هي قصة صاحب الجنتين، ولهذا اختلفت نتيجة القصص بحسب ذلك، وبيان هذا كالآتي:في قصة الفتية نجد أنهم انتقلوا من المكان الذي لم يستطيعوا أن يقيموا فيه شرع الله وهو المدينة، ولم يتمكنوا من تحقيق أهدافهم فيها، لهذا انتقلوا عنها، وكان الموضع الآخر هو الكهف ولو تأملنا الموضعين لرأينا الاختلاف الكبير بينهما، فالمدينة فيها النعيم والترف، والاجتماع والأنس بالناس، والكهف فيه الانعزال، والانفراد، وشظف العيش، وربما الوحشة، وقد قيل: إن هؤلاء الفتية كانوا من مترفي القوم ومن عليتهم، بدليل طلبهم أزكى الطعام ووجود الوَرِق معهم، لكن مبدأهم جعلهم يتنازلون عن ملذات الدنيا الحسية إلى طلب راحة القلب والنفس فذاك هو النعيم، ولا يكون ذلك إلا بالتوحيد، لأن الشرك يشتت القلب والفكر، ويجعل الروح في حيرة وشك.لقد انتقلوا من القصور والدور إلى الكهف، وعوضهم الله عن الراحة فيها، بالنوم في الكهف، فتحقق الصبر والثبات لهم، حتى زالت عن المدينة مظاهر الشرك.وأما قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح؛ فالانتقال فيها ظاهر، وذلك من خلال تتبع ألفاظ تُشعر بالانتقال مثل: (لاَ أَبْرَحُ (أي: أسير) حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)، وهذا انتقال أوَّليٌّ، ثم حصل انتقال آخر من مجمع البحرين من قرب الصخرة إلى موضع آخر يظهر من قوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾، ثم حصل انتقال ثالث من تذكرهما فقدان الحوت إلى الموضع الذي فقدوه فيه ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، وواضح من كل هذا التنقّل والترحال، الذي تبيِّنه ألفاظ مثل: (أمضي، سفرنا، ارتدا) أن تغيير المكان كان أمرًا جوهريًّا في هذه القصة، ولهذا جاءت الأحداث بعد ذلك مبنية على التحرك والرحلة والتغيير يظهر ذلك من تكرار كلمة (فانطلقا) مع كل حدث (السفينة، الفتى، الجدار)، ولو تأملناها لوجدناها أنها كلها حوادث فيها تغيير للمكان، ومتابعة للمسير، وكأن في هذه التغير تعليم لما هو جديد من خلال الموقف والحدث، لا من خلال الحكاية والمعلومة.وقد عوض الله موسى عليه السلام رحلته ونصبه وسفره بالعلم الذي لم يكن يعلمه، حيث فسّر له الخضر هذه الحوادث العجيبة، التي لم يكن له علم بأسبابها أو أسرارها.وأما قصة ذي القرنين فيظهر الانتقال من أول أحداثها ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: 85 - 93].ونجد في ذكر مغرب الشمس، ثم بعده مطلع الشمس ما يشير إلى سرعة التنقّل، وإلى بُعْدِه أيضًا، وقد نتج عن هذا التنقل وتغيير المكان بسط النفوذ على المساحة الكبيرة من الأرض، كما نتج عنه كثرة الأتباع، واستثمار كل مقدرات هذه المواضع من الكوادر البشرية والمادية، وتوجيه كل ذلك في وجوه الخير. وإذا تأملنا القصص الثلاثة التي فيها خروج وتغيير وانتقال؛ لوجدناها انتهت بنتائج طيبة، وأشخاصها مؤمنون أخيار، بينما نجد القصة الوحيدة التي كان فيها دخول هي قصة صاحب الجنتين، وقد جاء فيها ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف : 35]، وتلك الجنة تمثل الدنيا كما تشير إلى ذلك الآيات التي أعقبت القصة ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: 45]، فكأنما هي تصور لتوجّهه إلى الدنيا؛ لهذا خسر، بينما القصص الأخرى كان فيها خروج من الدنيا وراحتها، إلى العمل والإنجاز والنفع، وتعرَّض أشخاصها للنصب وشظف العيش والتعب، لذا نالوا مرادهم، وأضافوا شيئًا، أما ذاك فقد خسر كل شيء، نفسه وماله، فهل تأملنا هذه المغاني في هذه القصص، وكأنما هي بذلك ترسم لنا منهج النجاح في هذه الحياة، إننا يجب أن نحدد أهدافًا واضحة وعظيمة، تستحق أن نحيا من أجلِها، والجامع لها هو الخير والنفع، والمحرِّك فيها هو الإيمان بالله، ومَن يحدد هدفًا عظيمًا لابد أن يتعب من أجل تحقيقه، وقد يصيبه في سبيل ذلك تعب أو نصب أو جوع أو خوف، وقد يحتاج إلى سفر وانتقال، ولهذا لا نجد ناجحين مؤثرين لم يكن الانتقال والسفر أحد صفاتهم الرئيسة، لهذا كان من أعظم أحداث البعثة النبوية؛ الهجرة من مكة إلى المدينة، فكان نصر النبي صلى الله عليه وسلم من الأبعَدِين لا مِن الأقرَبِين، فهل يدرك المؤمنون هذه المعاني، ويكونون مؤثرين في التغيير، ولهم بصمات واضحة في الأمم؟إن من يقرأ سورة الكهف كل أسبوع يجب أن تحدث فيه تغييرًا وتطويرًا وتبثّ فيه إشعاعًا نحو النجاح والتغيير، نحو تحقيق الأهداف والتغلب على الصعاب
د। عويض العطوي
।والله الموفق।

الأحد، 19 يوليو 2009

تذكر ما تتلو كل جمعة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا । أحمده سبحانه ، وأشكره ، وأتوب إليه وأستغفره ، وأشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له ، هو خير ثوابا وخير عقبا । وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ولم يرد زينة الحياة الدنيا । صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، ومن سار على دربهم فعمل الصالحات ولم يشرك بعبادة ربه أحدا ، وسلم تسليما । أما بعد ، فالوصية الدائمة ، تقوى الله ، في السر والعلانية ، فبها ينجو المرء من العذاب ، وييسر عليه الحساب ، وينال حسن المآب . عباد الله : إن من المشروع كما حقق ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى ، أن يقرأ المسلم سورة الكهف ليلة ، أو يوم الجمعة ، ولهذا نقف قليلا نتأمل في سورة الكهف التي نقرأها كل أسبوع ، فاستمع يا رعاك الله إلى قوله تعالى (فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا) .لقد وصف الله تعالى أصحاب الكهف بقوله (إنهم فتية) شباب غض ، وعامة المصلحين كذلك (سمعنا فتى يذكرهم) (وآتيناه الحكم صبيا) (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما) والفتية هؤلاء (آمنوا بربهم) وهذا الإيمان قادهم للصدع بالحق ، والعمل به ، (وزدناهم هدى) فوضح لهم الطريق فسلكوه ، مع عمايته على أهل قريتهم جميعا ، والهدى في الحقيقة : لزوم الحق ، ولو كنت وحدك. (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) (وربطنا على قلوبهم) فصبروا على هجر الأوطان ، وعزموا على الفرار بدينهم إلى بعض الغيران . والربط على القلب هو الذي مكن الأم الرؤوف الحنون مع تقطع قلبها أن تصبر ، فلا تشيع أمر رضيعها ، فيا لله كم لله من منحة في خضم المحن ، وتلاطم الفتن . وبهذا نصل إلى ما نريد ، ونقدم بين يدي ذلك بمعنى قوله (مرفقا) أي سعة ، وعيشا ، ورزقا ، وسائر ما ترتفقون به في حياتكم. إن إيمان الفتية الذي شهد لهم به ربهم الذي آمنوا به وفارقوا الأهل والوطن من أجله وفي سبيله يتضح بجلاء حين جزموا الأمر فلم يترددوا وما ضعفوا وما استكانوا ، وقالوا قولتهم جازمين بها ، واثقين منها ، فهم قد دعوا به فقالوا (ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ) فوثقوا بالله لقوة يقينهم به ، ألم يقل موسى (كلا إن معي ربي سيهدين) ألم يقل إبراهيم في منتهى المحنة وشدة البلاء (حسبنا الله ونعم الوكيل) ألم يقل محمد صلى الله عليه وسلم (لا تحزن إن الله معنا) [ ما ظنك باثنين ، الله ثالثهما] إنه الإيمان ، إنه اليقين ، إنه التصديق بوعد الله ، والعلم بصفاته ، فهو لا يخيب من رجاه ، قادر على كل شيء ، ولا يخزي من لاذ بحماه ، وكل من توكل عليه كفاه ، وهو القائل في الحديث القدسي فلما كان ذلك ظنهم بربهم كانت عنايته بهم أحسن عناية ، ورفقه بهم أحسن المرافق ، بل لقد جعلهم حجة على القرون من بعدهم ، ورزقهم الثناء الحسن على مر الدهور ، وتعاقب العصور .لقد ثبت للمؤمنين ، للمتدبرين ، للواثقين ، الصابرين أن كهفا - الغار في الجبل - أن كهفا مع الإيمان واليقين والهدى ، والربط على القلب ، أفسح ، وأوسع ، وأرحب من المدينة الواسعة الرحيبة ظاهرا إذا غطاها ظلام الكفر ، وعتمة البدع والخرافات . نعم ، أيها الأحبة : إن الفتية يهربون من فسيح المدينة ، إلى ضيق الغار ، بيد أن المدينة قد ضاقت على سعتها واتسع الغار على ضيق مساحته .برد الإيمان ، سعة اليقين ، انشراح الصدر ، وتلك حياة المؤمنين . أنت تراها في قصة الثلاثة الذين خلفوا ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، بل ضاقت عليهم أنفسهم ، فكأن المرء في جو ملوث بالدخان والغبار ، أو كأنما هو يصاعد في السماء ، يكاد يختنق ، فهو يجاهد ليظفر بنسمة من هواء يتنشقها. أنت تراها في مؤمن ، ملفوف بالأكفان ، موضوع في اللحد ، مدفون في قبره ، مطمور بالتراب ، فإذا هو في السعة ، مد البصر .أنت تراها في رجل فقير لا يملك من حطام الدنيا شيئا ، يضحك حتى تبدو نواجذه ، وينام ملء جفنيه ، لا يرى لأحد فضلا عليه . أيها المسلمون : لو تأمل اللاهثون وراء السعادة حال هؤلاء الفتية ، لعلموا أن السعادة تكون حيث يكون الإيمان ، وتفقد حيث يفقد الإيمان ، فليست السعادة عيشا في القصور ، أو جمعا للمال والدر المنثور ، ليست في المنظر الخلاب ، ولا في بلاد الضباب ، إذا كان ذلك مع البعد عن الرب ، وعن طاعته ، أو الكفر به وبنعمته ، والانغماس في ضلال معصيته !!إن السعادة كل السعادة في توحيد الله ، في معرفته ، في طاعته ، في الثقة به ، في الدعوة إليه ، في البعد عن نواهيه ، في العمل بأوامره ، في تذوق رضاه ، وحلاوة الإيمان به ، ثم ليعش ذلك المرء حيث شاء ، حتى وإن كان محبوسا في غيابت جب ، ولو قيدت رجلاه ويداه (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) هذه الرحمة التي ينشرها الرحمن الرحيم على عباده المؤمنين هي التي ينالون بها السعادة ، والهناء ، في الدنيا ، وفي الآخرة ، (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) . بهذه الرحمة المنشورة من الرحمن الرحيم صار الكهفُ أوسعَ من المدينة ، لأن ظلال الرحمة ممدودة فيه ، وعليه ، يتفيؤ ظلالها المؤمنون الصادقون المهتدون . بهذه الرحمة قال شيخ الإسلام مقولته حين أغلقت عليه أبواب السجن الرهيبة فتلا قوله تعالى (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة …॥) وهذه الرحمة هي التي أصدر بها تلك الحقيقة الوارفة الظلال : ماذا يصنع أعدائي بي ، أنا جنتي في صدري ، فسجني خلوة ، وقتلي شهادة ، ونفيي سياحة. إن ذلك كله عباد الله من آثار رحمة الله (فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها) فيا سبحان الله كيف يحيي القلوب بعد موتها ، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار . أيها المسلمون : بم يشعر ذلك المسلم الذي غادر هذه البلاد سائحا في بلاد لا يرى فيها أثر الإسلام ، لا يسمع نداء الحق يصدح في أرجائها ، ولا يرى إلا الكفر الصراح في أبنائها ، أيشعر بالسعادة ؟ أيهنأ بعيش لا عبادة فيه ولا تقوى ؟ تلك إذا حياة البهائم ، ومتعة الأنعام ، ظاهرها فيه الرحمة وباطنها مغلف بالعذاب . والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم .إنا جميعا ندرك الحر الذي يخرج الناس من ديارهم ، ولكن ليختر الواحد منا بلادا يسمع فيها الأذان ، وينادى فيها للصلاة ، وبلاد المسلمين طولا وعرضا فيها من أنواع المناظر الخلابة ما يسعد قلب المسلم ولا ينسيه ربه . وهذا الحديث لمن كان لا بد له من سفر خارج هذه البلاد ، حرسها الله وصانها ، وعلى كل ظالم أو مفسد أعانها . وهو حديث لمن يسعى إلى المتعة الحلال ، والسياحة النظيفة التي لا إثم فيها . وأما من كان يسعى إلى الحرام ، خمورا وزنا ، ورقصا وخنا ، فليتق الله ربه ، وليعلم أنه مؤاخذ بما يفعل في الخارج ، كما هو مؤاخذ به في الداخل ، فالرب هنا وهناك ، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم . وبلاد الكفر وإن حسنت مناظرها ، وعبق من أشجارها شذاها ، وجرت أنهارها وطاب هواها فإنها مع الكفر الذي تلبست به لا يطيقها المؤمنون ، ولا يسعد فيها الموحدون . فهي أشبه ما يكون بتلك المدينة التي هجرها الفتية حين زادهم الله من الهدى ، وبلاد الإسلام هي بكل حق وصدق ذلك الغار الذي آواهم فنشرت فيه رحمة الله وهيئ لهم فيه من أمرهم مرفقا . أيها الأحبة : في سورة الكهف مثل لرجلين ، وجنتين ، غرت أحدَهما جنتاه وأنهارهما وثمارهما فظن أن ذلك رضا من الله عنه ، وأقسم لأن رد إلى ربه ليجدن خيرا منهما منقلبا ، وظلم نفسه ، واغتر بما من عليه من نعمة الله ، فكانت عاقبته كما أخبر سبحانه : وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ... أتظنونه تمنى مثلها ؟ أو أحسن منها ؟ لا ، لقد زهد فيها ، وأيقن أن الجنة ، أو البستان ، أو الاستراحة أو الأرض كلها لا تساوي شيئا مع الشرك بالله ، يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ! كانت تلك أمنيته ، ونحن بحمد الله ومنته نقول : الحمد لله الذي جعلنا من عباده المؤمنين ، وجعلنا من أتباع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . أيها المسلمون : وفي سورة الكهف : مثل الحياة الدنيا ، وبيان قيمتها ، وتوثيق القيمة الحقيقية لما يبقى ولا يفنى ، يبقى بعدك ، وإن فنيت ، ويبعد عنك الهم والغم والحزن ، يشرح الصدر ، ويعظم الأجر ، وهو لك زاد في الحل والترحال ، لا تشعر معه بضيق في المكان ، ويدخل في قلبك الطمأنينة والأمان ، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا . وتنوعت أقوال السلف في الباقيات الصالحات ، فقيل هي الصلوات الخمس ، وقيل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، فمن حديث أبي سعيد عند الأمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : استكثروا من الباقيات الصالحات ، قيل : وما هي يا رسول الله ؟ قال : الملة . قيل : وما هي يا رسول الله ؟ قال : التكبير ، والتهليل ، والتسبيح ، والحمد لله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .إخوة الدين والعقيدة : في سورة الكهف جواب لسؤال طالما تردد على ألسنة الكثيرين ، يتعجبون ، ويتساءلون كيف ينعم على الكفار بالماء والخضرة وغير ذلك ، وجوابه في السورة قوله تعالى : وربك الغفور ذو الرحمة ، لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ، وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا . فلا يغررك تقلبهم في البلاد ، متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . فتأمل ذلك أخي الكريم ، ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار .فاتقوا الله عباد الله ، واحفظوا دينكم ، لا تعرضوه للفتن ، ولا تجالسوا أهل الكفر والمجون ، ولا تسافروا إلى بلاد يعصى الله فيها جهارا نهارا ، فحر هذه البلاد مهما اشتد خير من غشيان مجالس من يشقى جليسهم ، وفي أرجاء هذه البلاد جنوبا وغربا غنية عما سواها ، ومن أصر إلا أن يخرج منها فليخرج إلى أي من بلاد الإسلام ، فيأمن على مطعمه ومشربه ، وأهله ، ودينه ، والله المستعان .وليكن نصب عينيك قول الحق تبارك وتعالى في سورة الكهف : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا .فاتقوا الله أيها المسلمون ، واعلموا أن النعيم في الدنيا مهما طالت مدته فإلى زوال ، ومهما عظمت حلته فإلى اضمحلال . ونعيم الدنيا مملول ، يشتاق المرء المغمس فيه إلى ضده من الشقاء ، حتى يشعر به ، ويقدره ، ولهذا فإن المرء يمل لو كرر له طعام من نوع واحد مهما كانت شدة محبته له ، ويمل من أهله أحيانا فيذهب بعيدا عنهم ليخلو بنفسه وليشتاق إليهم ، وهكذا . ولكن نعيم الجنة ، لا ينفد ، ولا يمل منه فأهل الجنة يتنعمون فيها ، ويسعدون نعيمها ، حسنت مستقرا ومقاما ، كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا . فمهما سافر المسافر يمنة ويسرة فسوف يمل مقامه ، بعد حين ، وسيغمر قلبه الشوق إلى بلاده والحنين ، فليتزود في سفره بتقوى الله ، وليفهم قوله في أول سفره اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، فليس هذا الدعاء لتأمن الطائرة من السقوط أو السيارة من التدهور ، ولكنه حصن للراكب والمركبة ، فقف عند ما دعوت ، ليوفقك الله إلى ما صبوت ، ويستجيب دعاك ، ويحفظك في جميع أحوالك فلا تستخدم ما سخر لك في معصيته ، وأنت مقر له بذلك : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، ومقر بمعادك إليه ، ووقوفك بين يديه : وإنا إلى ربنا لمنقلبون . فأطعه بنعمته ، وتذكر منقلبك إليه ، واعرض أعمالك بين يديه ، وتذكر ما تتلو كل جمعة : وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا ، ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا . ألا وصلوا على البشير النذير ، والسراج المنير ، امتثالا لأمر الحكيم الخبير ، إن الله وملائكته يصلون على النبي ... قاله فضيلة الشيخ / عادل بن سالم الكلباني

الأربعاء، 8 يوليو 2009

تأملات في سورة الكهف

سورة الكهف تحتوي هذه السورة على أربع قصص و في نهاية كل قصة تعقيب عليها، و القصص هي: قصة أهل الكهف تدور حول مجموعة من الشباب الذين آمنوا بالله في بلد كل أهلها كافرون و حاولوا أن يدعوا ملكهم للإيمان و لكنه رفض و لما أحسوا بأنهم في خطر و أن قومهم قد يقتلونهم، أووا إلى الكهف و هناك حدثت المعجزة و جعلهم الله ينامون فترة طويلة كانت 309 سنة، ثم أيقظهم و جعل أهل قريتهم يعثرون عليهم و يعرفون معجزة الله تعالى فيهم. قصة صاحب الجنتين و صاحبه و هي قصة رجل كان غنيا و له جنتان مثمرتان، و لكنه كان لا يشكر ربه و لا يعترف بفضله عليه، و أراد صاحبه أن ينصحه و يجعله يتوب و يرجع إلى الله و لكنه أبى، فكان جزاؤه أن دمر الله له جنتيه. قصة موسى عليه السلام و الخضر و تبدأ عندما سأل رجل موسى عليه السلام عن أعلم أهل الأرض فقال له أنا، فأخبره الله تعالى أن هناك رجلا أعلم منه هو الخضر، فذهب له موسى و لازمه فترة حدثت لهما فيها أحداث غريبة تفسرها لنا السورة. قصة ذي القرنين و هي قصة ملك فتح بلادا كثيرة في أنحاء الأرض، حتى وصل إلى قوم استغاثوا به لينقذهم من يأجوج و مأجوج، فبنى لهم السد الذي يمنعهم من الإغارة عليهم، و هو السد الذي سيتهدم حين يجيء أمر الله بقرب قيام الساعة. لأول وهلة قد نحس أن هذه القصص لا يوجد رابط بينها و لكن بالتأمل فيها نجد أن القصص الأربع كل واحدة منها تتكلم عن فتنة من الفتن الشديدة التي يتعرض لها بنو آدم في كل زمان فجاءت: قصة أهل الكهف تتعرض لفتنة الدين. قصة صاحب الجنتين تتعرض لفتنة المال. قصة موسى عليه السلام و الخضر تتعرض لفتنة العلم. قصة ذي القرنين تتعرض لفتنة السلطة و الجاه. و من هنا نفهم أن هدف السورة هو العصمة من الفتن، لذلك فمن فضل قراءة سورة الكهف أن من يقرأها يوم الجمعة أضاء الله له نورا من قدميه إلى عنان السماء، و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"من أدرك الدجال فقرأ فواتح سورة الكهف أو خواتيمها عُصِم منه"، و هنا يمكن لنا أيضا أن نربط بين الدجال و ما جاء في السورة من فتن كالآتي: فتنة الدين و الدجال يفتن الكثير في دينهم بما يمكنه من إحياء للموتى. فتنة المال و الدجال يأمر الأرض فتخرج كنوزها و يستطيع أن يتحكم في المطر. فتنة العلم و الدجال يفتن الكثيرين بما يخبرهم به من غيبيات. فتنة السلطة و الدجال تدين له معظم بلاد الأرض ما عدا مكة و المدينة فلا سلطان له عليهم. و قد وضحت لنا السورة عقب كل قصة كيفية النجاة من الوقوع في الفتنة التي ذكرتها فجاءت: الآية 28-29 بعد قصة أهل الكهف توضح أن النجاة من فتنة الدين تتمثل في الصحبة الصالحة و تذكر الآخرة. الآية 45-46 بعد قصة صاحب الجنتين توضح أن النجاة من فتنة المال تأتي من فهم حقيقة الدنيا و تذكر الآخرة. الآية 69 بعد قصة موسى و الخضر توضح أن النجاة من فتنة المال وسيلتها التواضع. الآية 103-104 بعد قصة ذي القرنين توضح أن النجاة من فتنة السلطة تتمثل في أن تكون مخلصا في عملك لله، و أن تتذكر الآخرة. و جاءت الآية الأخيرة 110 لتركز تركيزا شديدا على العصمة من الفتن تأتي بأن تعمل عملا صالحا و بأن تخلص كل عملك لله، و لقد قال العلماء أن شروط قبول العمل أن يكون صحيحاً و أن تخلص نيتك لله. و جاءت الآية 50 في منتصف السورة و بعد أول قصتين فيها بذكر الشيطان و قصته لأن الشيطان هو المحرك الأساسي لأي فتنة فيجب الانتباه و الحرص على عدم الوقوع تحت تأثيره. تسمية السورة سميت السورة بالكهف لأنه رمز بأن من يتوكل على الله و يتمسك بشرع الله و دينه، فلابد أن يقف الله معه و يسانده، فهؤلاء الفتية فروا بدينهم حتى لا يفتنوا فيه فحماهم الله و جعل لهم من الكهف المظلم مأوى و أمانا و نوره لهم ليبدد الظلام و الوحشة، و هكذا فمن يتوكل على الله فهو حسبه. ملاحظات عامة على السورة الحركة في السورة كثيرة مثل فأووا، فانطلقا، فأعينوني، و هذا لأن الحركة مطلوبة لعدم الوقوع أو الركون إلى الفتن. بدأت السورة بذكر القرآن و انتهت أيضاً به، و في هذا إشارة واضحة أن من أهم عوامل الوقاية من الفتن هو التمسك بالقرآن. ذكرت في السورة الدعوة إلى الله بكافة مستوياتها فجاء دعوة الشباب للملك، و دعوة الصديق لصديقه، و تعليم صاحب العلم لتلميذه، و دعوة ولي الأمر لرعيته. و في هذا إشارة واضحة إلى أهمية الدعوة. تكثر في السورة ذكر الغيبيات مثل عدد أصحاب الكهف، و موقع السد بيننا و بين يأجوج و مأجوج، و غيرها لتلفت نظرنا بأن هناك أشياء كثيرة من حولنا و أحداث قد لا نستوعب الحكمة فيها فالواجب أن نفعل ما علينا و نجتهد و نسلم أمرنا لصاحب الأمر و نوقن بقدرة الله و علمه و حكمته।
خواطر قرآنية عمرو خالد