السبت، 20 سبتمبر، 2014

كم مرة ورد الوعيد للذين كفروا في سورة آل عمران؟ وما دلالة ذلك؟

عددي آيات الوعيد للكافرين في سورة آل عمران؟
جاء الوعيد للكفار في سورة آل عمران في عشرة مواضع وهي:
1.   (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4)
2.   (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10)
3.   ( فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56)
4.   (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)
5.   (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91)
6.   (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116)
7.   (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127)
8.   (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)
9.   (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178)
10.                      (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196)
في هذا تقوية لقلب المسلم وتثبيت للمؤمنين, يقين المسلم بخزي الكافرين في الدنيا وعذابهم في الآخرة يدفعه للعمل الجاد في نصرة الدين, ولا يضعف إيمانه ولا يتزعزع مما يراه من تقلب الكافرين في البلاد , وقوة اقتصادتهم وثرواتهم وتقدمهم الصناعي, ولا يفت في عضده ما يروجه الإعلام الكاذب عن الغرب, وعن عظمة جيوشهم و... فالعاقبة للمتقين.

تأملات في قوله تعالى: (وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) (آل عمران:37)

ما هي الفوائد المستنبطة من قوله تعالى : (وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) (آل عمران:37)؟
1.   أهمية التربية الصالحة في الثبات على الدين, وتمثل ذلك في ثبات مريم وصبرها على الطاعة, وفي كلمة ( المحراب) دليل على كثرة عبادتها, كذلك ثباتها عند بشارتها بعيسى عليه السلام (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20), ثباتها عند المخاض رغم الألم والكرب الشديد الذي ينتظرها وما سيتقولونه عليها؛ (فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (23), ثباتها أمام قومها
2.   لما نذرت أم مريم ما في بطنها لربها شكر الله لها صنيعها فكفلها زكريا النبي وأنبتها نباتا حسنا فربنا شكور وبنواياكم ترزقون.
3.   أهمية المتابعة من الوالدين لأبنائهم وتفقد أحوالهم بأسلوب تربوي مناسب, (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37), فهو يتفقد حالها , ويسأل (أَنَّى لَكِ هَذَا ).
4.   نسبة النعمة إلى المنعم وتعليق القلوب بربها, لما سأل زكريا مريم (أنى لك هذا) ما قالت بسبب صلاتي وانقطاعي للعبادة رزقني الله , إنما كان الجواب (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ولم تكتف بذلك فقط, بل علقت قلب زكريا بربه قائلة (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37), وهذا ما يحتاجه الناس, ولا تجتمع القلوب إلا على الله, ولا تسكن النفوس إلا بالله, فيا من تتحدث بنعم الله عرفهم بالمنعم,  ويا من يواسي المهمومين حدثهم عن ربك القريب المجيب , والحديث عن الله تعالى بأسمائه وصفاته هو أيسر وأقصر الطرق للاستجابة لما أمر به الله وما نهى عنه. 
5.   الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها, زكريا تذكر بكلام مريم أمنيته القديمة في الولد , وقد انقطعت أسبابه ولكن (قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ)
6.   حسن الظن بالله تعالى مهما تعقدت الأمور , ولو انقطعت الأسباب فالمسلم يحسن الظن بربه ويتذكر  دائما (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37), وأن (اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) , وأن الله (إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47), تمثل ثبات زكريا في صبره على عدم الإنجاب طوال هذه السنوات, وهناك من تأخر زواجها وتقدم بها السن, ومن ابتليت بمرض بذلت فيه كل أسباب الشفاء دون جدوى , ومنا من تعاني من الفقر وقلة ذات اليد,... ولا حصر لصور الابتلاءات التي قد تنزل بالمسلم , هذه الابتلاءات إن توقف عندها المسلم تسلط عليه الشيطان وتمكن الحزن من قلبه وانشغل بها عما خلق له , فيصبح همه الأكبر كيف يحصل على ما يريد, وتنحرف غايته من رضا الله وتحقيق العبودية له تعالى إلى الزوج أو الولد أو الصحة إلى حلمه المفقود, وقد يُفتن فيسلك سبلا منهي عنها , ويطول به المقام في اللهث وراء السراب, بينما طريق السعادة قصير اختصره الله تعالى في كلمات قليلة (إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47), فيا كل مبتلى أحسن الظن بربك وانطرح بين يديه وأكثر من الدعاء والذكر والتضرع والخضوع له , يبلغك ربك الذي يرزق من يشاء بغير حساب فوق ما تتمنى, وضع نصب عينك أن الرزق كان المحراب, والبشرى بالولد مع انقطاع أسبابه لزكريا جائته وهو قائم يصلي في المحراب , فلا تبرح بابه فإن من أكثر الطرق يوشك أن يفتح له.

الأحد، 14 سبتمبر، 2014

بين فواتح الآيات وخواتمها

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ ومصطفاه، أما بعد:
فإنّ مِن أبوابِ تدبُّرِ القرآنِ الكريم، التأمُّلُ في علاقَةِ الآيةِ بخاتِمتِها، والوقوفُ على ذلك يَفتحُ لك باباً مِن أبوابِ فَهمِ كتابِ الله تعالى، ويُبيِّنُ لك نوعاً مِن إِعجازِ القرآنِ الكريم، وسوف نَعرِضُ بعضَ الأمثلةِ (1) مع شرحٍ مُبسَّطٍ لها، ويَستطيعُ المُوفَّقُ أنْ يَقِيسَ عليها:
المثالُ الأول:
لمّا ذَكَرَ اللهُ قَوامةَ الرجلِ على المرأة، وحَقَّ الزوجِ في تأديبِ امرأتِهِ الناشزِ في قولِه سبحانه:{وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}، خَتَمَ الآيةَ بقولِه: {إن الله كان علياً كبيراً} فذَكَّرَ بِعُلُوِّهِ وكِبريائِهِ جَل جلالُه تَرهيباً للرِّجال؛ لئلّا يَعتَدوا على النساء، ويَتَعدَّوا حدودَ اللهِ التي أَمَرَ بها.
المثالُ الثاني:
لمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى عُقُوبَةَ السَّرِقَةِ في قولِه: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله}  قال في آخِرِها -: {نكالاً من الله والله عزيز حكيم} أي: عَزَّ وحَكَمَ فَقَطَعَ يَدَ السارق، وعَزَّ وحَكَم فعَاقَبَ المُعتَدِين شرعاً، وقدراً، وجزاء، وفي ذلك القصةُ المشهورة، أنّ أَعرابيّاً سمعَ قارِئاً يقرأُ هذه الآيةَ فأخطأَ في آخِرِها، وقال: {والله غفور رحيم}، فقال الأعرابيُّ: لو غَفَرَ ورَحِم لَمَا قَطَع، ولكنّه عَزَّ وحَكم فقطع، فنَظَروا في المصحفِ فإذا هي {والله عزيز حكيم}.
المثالُ الثالث:
في قولِه تعالى: {يسأله من في السماوات والأرض} مِن الإنسِ والجِنِّ والملائكةِ وكلِّ المخلوقات، {كل يوم هو في شأن} وفي هذا حَفَاوةٌ بالدعاءِ والسؤال، والتَّعَرُّضُ لنَفَحاتِ ذي الجلال، فإنها مَظِنَّةُ تعجيلِ التبديلِ والتغيير، فإذا سألوه وأَلَحُّوا في سؤالِهم، كان مِن شأنِهِ أنْ يُجيبَ سائلَهم، ويُغيِّرَ أحوالَهم مِن الهوانِ والتَّخَلُّفِ، والجهلِ، والمرضِ والفُرقةِ والضياعِ؛ إلى الرِّفعةِ والمجدِ والعلمِ والعافيةِ والاتحاد. وهذه مناسبةُ اتصالِ أوَّلِ الآيةِ بآخِرِها(2).
المثالُ الرابع:
حُكِيَ أنّ أَعرابيّاً سمع قارئاً يقرأُ: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} فاعلموا أن الله غفور رحيم! ولم يَكن الأعرابيُّ مِن القُرّاءِ فقال: إنّ كان هذا كلامَ الله، فلا يقول كذا، ومَرَّ بهما رجل، فقال له الأعرابيُّ: كيف تَقرأُ هذه الآية؟ فقال الرجل: {فاعلموا أن الله عزيز حكيم} فقال الأعرابيُّ: هكذا يَنبغي، الحكيمُ لا يَذكُرُ الغفرانَ عند الزَّلَل، لأنه إِغراءٌ عليه!
المثالُ الخامس:
قولُه تعالى: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد}ومُناسبةُ خَتْمِ الآيةِ بهذين الاسمين الكريمين: {الولي الحميد} دونَ غيرِهما؛ لمناسبتِهِما للإِغاثةِ، لأَنَّ الوَليَّ يُحْسِنُ إلى مواليه، والحميدُ يُعطِي ما يُحمَدُ عليه.
المثالُ السادس:
قولُه تعالى عن الحُجّاج {..فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ..} لَمّا كان الحجُّ حَشْراً في الدنيا، والانصرافُ منه يُشبِه انصرافَ أَهلِ الموقفِ بعدَ الحشرِ–فريقاً إلى الجنة وفريقاً إلى السعير -؛ ذَكَّرَهم بذلك بقوله: {واعلموا أنكم إليه تحشرون} فاعملوا لمِا يكونُ سبباً في انصرافِكم منه إلى دارِ كرامتِهِ لا إلى دارِ إهانتِه.
المثالُ السابع:
في قولِهِ تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} فلم تُخْتَمُ الآيةُ بقوله {الغفور الرحيم}؛ لأَنَّ المقامَ مَقامُ غَضَبٍ وانتقامٍ مِمَّن اتخذ إلهاً مع الله، فنَاسَبَ ذِكْرُ العِزَّةِ والحكمة، وصار أولى مِن ذِكرِ الرحمة. 
المثالُ الثامن:
قولُه تعالى بَعدَ ذِكْرِ أحكامِ القَذْف: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم} قد يُقال: إِنَّ المُتَوَقَّعَ أنْ يُقال: {تواب رحيم}؛ لأَنَّ الرحمةَ مناسبةٌ للتَّوبة، لكنْ خُتِمتْ باسمِ الله {حكيم}إشارةٌ إلى فائِدةِ مَشروعيّةِ اللعانِ وحِكمتِه، وهي السِّترُ عن هذه الفاحشةِ العظيمة.
هذه بعضٌ مِن الحِكَمِ التي تُلتَمسُ مِن المناسبةِ بين فَواتِحِ الآياتِ وخَواتِهما، وهي بابٌ عظيمٌ مِن أبوابِ التدبُّر، فاجتهدوا في تدبُّرِ كِتابِ ربِّكم، تَنْعَموا وتَسْعَدوا دنيا وأخرى.
اللهم لا تحرِمْنا بَرَكَةَ كتابِك، ولا تحجُبْ عنا –بذنوبِنا- فَهمَهُ والعملَ به، واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميعِ المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. عبد المحسن المطيري
موقع تدبر

تأملات في اسم الله اللطيف

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آلِه وصحبِه ومَن والاه، أما بعد:
فإنه لما تَقلَّبَت الأحوالُ بيوسفَ عليه الصلاةُ والسلام، وتَطوَّرَتْ به الأطوار، عَرَف أنّ هذه الأشياءَ وغيرَها لُطفٌ من لُطفِ اللهِ له، فاعترفَ بهذه النعمةِ فقال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾[يوسف: 100].
وهذا من أَعظمِ نِعَمِ اللهِ على العبد، أنْ يَعرِضَ أحوالَه التي تمرُّ به على معاني أسماءِ الله الحسنى، وصفاتِه العلى؛ فإنّ هذا له فائدتان:
الأولى: زيادةُ الإيمان.
الثانية: سهولةُ تلقي المصائبِ المؤلمة، وهذا يزدادُ حين يبلُغُ العبدُ منزلةَ الرضا عن الله، بحيث يوقِنُ أنَّ اختيارَ اللهِ خيرٌ مِن اختيارِه لنفسِه.
أيها المؤمنون!
إنّ مِن أسماءِ اللهِ الحسنى التي تَكرَّرَ ذِكرُها في كتابِ الله تعالى، ولها أثرُها البالغُ في حياةِ العبد -لمن فقه معناها وعمل بمقضاها-: اسمُ اللهِ اللطيف، الذي تمّدّحَ سبحانه به في مواضعَ مِن كتابِ الله، منها: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103] ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] فكيف نعيشُ مع هذا الاسم؟ وما آثارُه الإيمانيةُ علينا؟
إنّ التأمُّلَ في آثارِ لطفِه بعبادِه، هو الذي يُجيبُ على هذه الأسئلة، والتي تعرَّضُ لها العلامة السعدي : ، حين بيّن شيئاً من آثارِ لطف اللهِ بعباده فقال:
"ومِن لطفِه بعبادِه: أنه يُقدّر أرزاقَ عبادِه، بحسَبِ علمِه بمصلحتِهم لا بحسَبِ مراداتِهم، فقد يريدون شيئاً وغيرُه أصلح؛ فيُقدِّرُ لهم الأصلحَ وإن كرهوه؛ لطفاً بهم وبِرّاً وإحساناً ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾[الشورى: 19]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾[الشورى: 27].
ومِن لطفِه بهم: أنه يُقدِّرُ عليهم أنواعَ المصائب، وضروبَ المحنِ، والابتلاءِ بالأمرِ والنهيِ الشاق؛ رحمةً بهم ولطفاً، وسَوْقاً إلى كمالِهم وكمالِ نعيمهم: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 216].
ومِن لطفه بعبِده: أن يُقدّرَ له أن يتربّى في ولاية أهلِ الصلاحِ والعلمِ والإيمان، وبين أهلِ الخير؛ ليَكتَسِبَ مِن أدبِهم وتأديبِهم، ولينشأَ على صلاحِهم وإصلاحِهم، كما امتنَّ الله على مريمَ في قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾[آل عمران: 37].
ومن ذلك: إذا نشأَ بين أبوين صالحين، وأقاربَ أتقياء، أو في بلدِ صلاح، أو وفّقه الله لمقارنةِ أهلِ الخيرِ وصحبتِهم، أو لِتربيةِ العلماءِ الربانيين؛ فإنّ هذا مِن أعظمِ لطفِه بعبدِه، فإنّ صلاحَ العبدِ موقوفٌ على أسبابٍ كثيرة: منها؛ بل مِن أكثرِها وأعظمِها نفعاً: هذه الحالة، ومِن ذلك إذا نشأَ العبدُ في بلدٍ أهلُهُ على مذهبِ أهلِ السنةِ والجماعةِ فإنَّ هذا لُطفٌ له.
ومِن لطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يجعلَ رزقَه حلالاً في راحةٍ وقناعة، يحصلُ به المقصود، ولا يَشغَلُه عما خُلق له من العبادةِ والعلمِ والعمل، بل يُعينه على ذلك ويُفرّغه، ويُريحُ خاطرَه وأعضاءَه، ولهذا مِن لُطفِ اللهِ تعالى لعبدِه أنه ربما طَمِحتْ نفسُه لسببٍ من الأسباب الدنيوية، التي يَظُنّ فيها إدراكَ بغيتِه، فيَعلَمُ اللهُ تعالى أنها تَضرُّه وتَصُدُّه عما ينفعه؛ فيحولُ بينَه وبينها، فيظلّ العبدُ كارهاً وهو لم يدرِ أنّ ربَّه قد لَطَفَ به، حيث أبقى له الأمرَ النافع، وصرفَ عنه الأمرَ الضار، ولهذا كان الرضى بالقضاء في مثل هذه الأشياء من أعلى المنازل.
ومِن لطفِ الله بعبدِه - إذا قَدَّر له طاعةً جليلةً لا تُنال إلا بأعوان -: أن يُقدِّرَ له أعواناً عليها ومساعدين على حملِها، قال موسى عليه السلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾[طه: 29 - 34]، وكذلك امتنّ على عيسى بقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾[المائدة: 111]، وامتَنَّ على سيد الخلق في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال:62].
ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يُعطيَ عبدَه - من الأولادِ والأموالِ والأزواج - ما به تقرّ عينُه في الدنيا، ويحصُلُ له به السرور، ثم يبتليه ببعضِ ذلك، ويأخذُه ويُعوّضُه عليه الأجرَ العظيمَ إذا صبرَ واحتَسَب، فنعمةُ اللهِ عليه بأخذِه على هذا الوجهِ أعظمُ من نِعمتِه عليه في وجودِه، وقضاءُ مجرد وطَرِه الدنيوي منه. وهذا أيضاً خيرٌ وأجرٌ خارجٌ عن أحوالِ العبدِ بنفسه، بل هو لُطفٌ مِن الله له، قيّض له أسباباً أعاضَه عليها الثوابَ الجزيل، والأجرَ الجميل.
ومِن لُطفِ الله بعبدِه: أن يبتليَه ببعضِ المصائب، فيوفِّقَه للقيامِ بوظيفةِ الصبرِ فيها؛ فيُنيلُه درجاتٍ عاليةً لا يدركُها بعملِه، وقد يُشدِّد عليه الابتلاءَ بذلك، كما فُعِل بأيوب عليه السلام، ويوجِد في قلبه حلاوةَ روحِ الرجاء، وتأميلَ الرحمة، وكشفَ الضر، فيُخفَّف ألمُه، وتنشطُ نفسُه، ولهذا من لُطفِ الله بالمؤمنين: أنْ جَعَل في قلوبِهم احتسابَ الأجر؛ فخفَّتْ مصائبُهم، وهان ما يلقون من المشاقِّ في حصولِ مرضاتِه.
ومِن لُطفِ الله بعبدِهِ المؤمنِ الضعيف: أن يعافيَه من أسبابِ الابتلاءِ التي تُضعِف إيمانَه، وتُنقِصُ إيقانَه، كما أنّ مِن لُطفِه بالمؤمنِ القوي: تهيئة أسبابِ الابتلاءِ والامتحانِ ويعينُه عليها، ويحمِلُها عنه ويزدادُ بذلك إيمانُه، ويعظُمُ أجرُه، فسبحان اللطيفِ في ابتلائِه وعافيتِه، وعطائِه ومنعِه.
ومِن لطفِ الله بعبدِه: أنْ يسعى لكمالِ نفسِه مع أقربِ طريقِ يوصلُه إلى ذلك، مع وجودِ غيرِها من الطُرُقِ التي تبعُدُ عليه، فيُيَسّر عليه التعلُّم مِن كتابٍ أو مُعلمٍ يكونُ حصولُ المقصودِ به أقربَ وأسهل، وكذلك يُيسرُه لعبادةٍ يفعلُها بحالةِ اليسرِ والسهولة، وعدمِ التعويقِ عن غيرِها مما ينفعُه، فهذا من اللطف.
ومِن لُطفِ اللهِ تعالى بعبدِه: أنْ يجعلَ ما يبتليه به مِن المعاصي سبباً لرحمتِه، فيفتحُ له عند وقوعِ ذلك بابَ التوبةِ والتضرع، والابتهالِ إلى ربه، وازدراءِ نفسِه واحتقارِها، وزوالِ العُجبِ والكبرِ من قلبِه ما هو خيرٌ له من كثيرٍ من الطاعات.
ومِن لطفِه بعبدِه الحبيبِ عنده: إذا مالتْ نفسُه مع شهواتِ النفسِ الضارة، واسترْسلَتْ في ذلك؛ أن يُنَغِّصَها عليه ويُكدِّرَها، فلا يكاُد يتناولُ منها شيئاً إلا مَقروناً بالمكدِّرات، محشوّاً بالغصص؛ لئلا يميلَ معها كلَّ المَيل، كما أنّ مِن لُطفه به أن يُلذِّذ له التقرُّبات، ويُحَلِّي له الطاعات؛ ليَميلَ إليها كلَّ المَيل.
ومِن لَطيفِ لطفِ اللهِ بعبدِه: أن يأجُرَه على أعمالٍ لم يعملْها بل عزَمَ عليها، فيعزِمُ على قُربةٍ من القُرَب ثم تَنحلُّ عزيمتُه لسببٍ من الأسبابِ فلا يفعلُها، فيحصُلُ له أجرُها، فانظر كيف لَطَفَ اللهُ به! فأوقَعَها في قلبِه، وأَدارَها في ضميرِه، وقد عَلِمَ تعالى أنه لا يفعلُها؛ سَوقاً لبِرِّهِ لعبدِه وإحسانِهِ بكلِّ طريق. وأَلطَفَ من ذلك: أنْ يُقيِّضَ لعبدِهِ طاعةً أخرى غيرَ التي عَزَمَ عليها، هي أنفعُ له منها؛ فيَدَعَ العبدُ الطاعةَ التي تُرضي ربَّه لطاعةٍ أخرى هي أرضى لله منها، فتحصُلُ له المفعولةُ بالفعل والمعزومُ عليها بالنية، وإذا كان من يُهاجِرُ إلى اللهِ ورسولِه، ثم يُدرِكُهُ الموتُ قبل حصولِ مقصودِه قد وقَعَ أجرُهُ على الله - مع أنّ قَطعَ الموتِ بغيرِ اختياره - فكيف بمن قَطَعت عليه نيتُه الفاضلةُ طاعةً قد عَزَمَ على فعلِها؟! وربما أدار اللهُ في ضميرِ عبدِه عِدَّةَ طاعات، كلُّ طاعةٍ لو انفردتْ لفعلَها العبد؛ لكمالِ رغبتِه، ولا يمكنُ فعلُ شيءٍ منها إلا بتفويتِ الأخرى، فيوَفِّقُهُ للموازنةِ بينها، وإيثارِ أفضلِها فعلاً، مع رجاءِ حصولِها جميعهاً عَزْماً ونيةً.
وأَلْطفُ من هذا: أنْ يُقدِّرَ تعالى لعبدِه ويبتليهِ بوجودِ أسبابِ المعصية، ويُوفِّرَ له دواعيها، وهو تعالى يعلمُ أنه لا يفعلُها؛ ليكونَ تَرْكُهُ لتلك المعصيةِ التي توفَّرَتْ أسبابُ فِعلِها مِن أكبرِ الطاعات، كما لَطَفَ بيوسفَ عليه السلام في مُراودةِ المرأة، وأحدُ السبعةِ الذين يُظلُّهمُ اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظل إلا ظله: رجلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمال فقال: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ.
ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يُقدِّرَ خيراً وإحساناً مِن عبدِه، ويُجرِيَه على يدِ عبدِه الآخر، ويجعله طريقاً إلى وصولِه للمُستَحِق، فيُثِيبُ اللهُ الأولَ والآخِرَ.
ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أن يُجرِيَ بشيءٍ مِن مالِه شيئاً من المنافعِ وخيراً لغيرِه؛ فيُثيبهُ من حيث لا يحتسِبُ، فمَن غَرَسَ غرساًَ، أو زَرَعَ زرعاً؛ فأصابت منه رُوحٌ من الأرواحِ المحترمةِ شيئاً، آجرَ اللهُ صاحبَه وهو لا يدري! خصوصاً إذا كانتْ عنده نيةٌ حسنة، وعَقَدَ مع ربِّه عقْداً في أنه مهما تَرتّب على ماله شيءٌ من النفع، فأسألُك يا ربِّ أنْ تأجرَني، وتجعلَه قربةً لي عندك، وكذلك لو كان له بهائمُ انْتُفِعَ بدَرِّها ورُكُوبِها والحَمْلِ عليها، أو مساكنُ انْتُفِعَ بسُكناها ولو شيئاً قليلاً، أو ماعونٌ ونحوُه انْتُفِع به، أو عينٌ شُرِبَ منها، وغيرُ ذلك - ككتابٍ انْتُفع به في تعلُّمِ شيءٍ منه، أو مُصحفٍ قُرئ فيه - والله ذو الفضل العظيم.
ومِن لُطفِ اللهِ بعبدِه: أنْ يفتحَ له باباً من أبوابِ الخيرِ لم يكن له على بال، وليس ذلك لقلةِ رغبتِه فيه، وإنما هو غفلةٌ منه، وذهولٌ عن ذلك الطريق، فلم يَشعُرْ إلا وقد وَجَدَ في قلبِهِ الداعيَ إليه، واللافتَ إليه؛ ففَرِحَ بذلك، وعَرَفَ أنها مِن أَلطافِ سيِّدِه، وطُرُقِه التي قَيّضَ وصولهَا إليه؛ فصَرَفَ لها ضَميرَه، ووجّه إليها فِكْرَه، وأَدرَكَ منها ما شاء اللهُ وفَتَحَ" اهـ كلامه : .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: المقال في أغلبه ملخص من كتاب "المواهب الربانية" لابن سعدي (بتصرف) ، ص: (119) وما بعدها.
موقع تدبر

السبت، 30 أغسطس، 2014

من التناسب بين سورتي الفاتحة والبقرة

من التناسب بين سورتي الفاتحة والبقرة
لما قال العبد بتوفيق ربه "اهدنا الصراط المستقيم " قيل له: "ذلك الكتاب
لا ريب فيه " (آية 2) هو مطلوبك وفيه أربك، وهو الصراط المستقيم "هدى للمتقين " (آية 2) القائلين اهدنا الصراط المستقيم والخائفين من حال الفريقين المغضوب عليهم ولا الضالين، فاتخذوا وقاية من العذاب خوف ربهم وتقواه بامتثال أمره ونهيه

البرهان في تناسب سور القرآن للغرناطي

مثلهم كمثل الذي أستوقد نارا فلمّا أضاءت ماحوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لايبصرون , صم بكم عمي فهم لايرجعون

تتلقى ما عند الله جل وعلا " وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً ًأسلوب التشكيك والظلمات التي في قلوبهم ، تبقى على ألسنتهم كما هي موغلة في قلوبهم.



ثم أخبر الله أن المثل كالقرآن يظل الله به كثيراً ويهدي به كثيراً. وقد قلنا أن القرآن كالمطر المعطي، لا ينبت في كل أرض ينزل عليها، وقال الله في سورة الإسراء : " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ " . لمن ؟ " لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً ً " . وقال في سورة فصلت : " قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء " .




وذكر الذين كفروا فقال: " وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى " . كذلك الأمثال التي يضربها الله جل وعلا في القرآن ينتفع بها المؤمنون ولا ينتفع بها أهل الفسق والكفر والفجور.




" يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً " . ثم قال الله " وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ 0المغامسي اسأل الله أن يجعلنا ممن ينتفع بالقرآن وما ضرب فيه من الأمثال 0




المثل الأول :




(مثلهم كمثل الذي أستوقد نارا فلمّا أضاءت ماحوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لايبصرون , صم بكم عمي فهم لايرجعون ) البقره 17,18




يقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينا هو كذلك إذا طفيت ناره فبقي في ظلمة طائفا متحيرا فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. وقيل: ذهاب نورهم في القبر. وقيل: في القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. وقيل: ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فضرب النار مثلا ثم لم يقل أطفأ الله نارهم لكن عبر بإذهاب النور عنه لأن النار نور وحرارة فيذهب نورهم وتبقى الحرارة عليهم. وقال مجاهد: إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة وقال عطاء ومحمد بن كعب: نـزلت في اليهود. وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب فلما خرج كفروا به ثم وصفهم الله فقال: ( صُم ) أي هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا ( بُكْم ) خرس عن الحق لا يقولونه أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق ( عُمْيٌ ) أي لا بصائر لهم ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له ( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) عن الضلالة إلى الحق  البغوي




قال أبو جعفر: وقوله " فهم لا يرجعون " ، إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن هؤلاء المنافقين - الذين نعتهم الله باشترائهم الضلالة بالهدَى, وَصممِهم عن سمَاع الخير والحق, وَبكمَهم عن القيل بهما, وعَماهم عن إبصارهما أنهم لا يرجعون إلى الإقلاع عن ضلالتهم, ولا يتُوبون إلى الإنابة من نفاقهم. فآيَس المؤمنين من أن يبصرَ هؤلاء رشدًا, أو يقولوا حقًّا, أو يَسمعوا داعيًا إلى الهدى, أو أن يذَّكَّروا فيتوبوا من ضلالتهم, كما آيس من تَوبة قادة كفّار أهل الكتاب والمشركين وأحبارهم، الذين وَصَفهم بأنه قد ختم على قلوبهم وعلى سَمعهم وغشَّى على أبصارهم.0 الطبري




الفوائد:




1ـ من فوائد الآيتين: بلاغة القرآن، حيث يضرب للمعقولات أمثالاً محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقول؛ لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيداً، كما قال تعالى: {وتلك الأمثالنضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43] ..ابن عثيمين2 ـ ومنها: ثبوت القياس، وأنه دليل يؤخذ به؛ لأن الله أراد منا أن نقيس حالهم على حال من يستوقد؛ وكل مثل في القرآن فهو دليل على ثبوت القياس..ابن عثيمين




3ـ ومنها: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله تعالى:{ كمثل الذي استوقد ناراً }؛ فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى، والعلم، والنور؛ فإذا وصل إلى قلوبهم . بمجرد ما يصل إليها . يتضاءل، ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب، وأعمام، وأخوال، وأقارب؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقاً، فيتكلم له بإيمان حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول..ابن عثيمين




4ـ ومن فوائد الآيتين: أن الإيمان نور له تأثير حتى في قلب المنافق؛ لقوله تعالى: {فلما أضاءت ما حوله} : الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم؛ ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر؛ ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين . وهي أوسع ما تحدَّث الله به عن المنافقين: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم} [المنافقون: 3] ..ابن عثيمين
منقول من موقع تدبر
http://tdabr.com/play-5718.html

الأربعاء، 20 أغسطس، 2014

كيف تتفاعل مع الآيات؟

 قال الإمام الغزالي رحمه الله في كلام نفيس حول التفاعل مع الآيات قلباً ولساناً وجوارحاً :" تأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة :
فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت. 
وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح. 
وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعاً لجلاله واستشعاراً لعظمته. 
وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله عز وجل كذكرهم لله عز وجل ولداً وصاحبة يغض صوته ويكسر في باطنه حياء قبح مقالتهم. 
وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقاً إليها. وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفاً منها 
فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكياً في كلامه.

الثلاثاء، 19 أغسطس، 2014

{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل: 20]

{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل: 20]
أن سليمان- عليه السلام- كان يمثل الحاكم اليقظ المتنبه لأحوال رعيته، حيث يعرف شئونها الصغيرة والكبيرة، ويعرف الحاضر من أفرادها والغائب، حتى ولو كان الغائب طيرا صغيرا، من بين آلاف الخلائق الذين هم تحت قيادته.
ولقد صور القرآن ما كان عليه سليمان- عليه السلام- من يقظة ودراية بأفراد رعيته أبدع تصوير فقال: وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين.
قال الإمام القرطبي- رحمه الله-: في هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته، والمحافظة عليهم، فانظر إلى الهدهد مع صغره، كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف بعظام الملك..
ثم يقول- رحمه الله- على سبيل التفجع والشكوى عن حال الولاة في عهده: فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان.. ورحم الله القائل:
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
تفسير الوسيط
د. محمد سيد طنطاوي