‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات في سورة القصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات في سورة القصص. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 28 مايو 2012

"وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ز وحرمنا عليه المراضع فقالت هل أدلكم على بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون"

"وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ز وحرمنا عليه المراضع فقالت هل أدلكم على بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون"


من خلال الآيتين يتضح لنا حسن خلق الفتاة وفطنتها من التالي:


بر البنت بأمها ويتضح ذلك من سرعة استجابتها لأمر أمها من خلال الفاء"قصيه فبصرت"


حب الأخت لأخيها من خلال المسارعة للبحث عنه وتتبع أثره"فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون"


فطنة الفتاة "عن جنب وهم لا يشعرون", لم تفشي السر بل كتمت أمره وتريثت رغم تفاجئها به "هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون" فلم تقل أخي حبيبي. ولم تبوح بأي كلمة تنم عن معرفتها به. أو لم تسارع لأمها لتخبرها بمكانه إنما تريثت وعرضت الحل.


شجاعة الفتاة إذ لم يظهر عليها ارتباك أو تلعثم ولم تهاب القوم بل كانت واثقة راشدة تعرض الرأي بثبات وتؤدة"هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون"
منى محمد 

الثلاثاء، 19 أبريل 2011

وقفات أمام تدبير الله لموسى - عليه السلام - في هذه السنوات العشر , وفي رحلته إلى مدين ذهابا وجيئة

لقد نقلت يد القدرة خطى موسى - عليه السلام - خطوة خطوة . مند أن كان رضيعا في المهد حتى هذه الحلقة . ألقت به في اليم ليلتقطه آل فرعون . وألقت عليه المحبة في قلب امرأته لينشأ في كنف عدوه . ودخلت به المدينة على حين غفلة من أهلها ليقتل منهم نفسا . وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعون ليحذره وينصحه بالخروج منها . وصاحبته في الطريق الصحراوي من مصر إلى مدين وهو وحيد مطارد على غير زاد ولا استعداد . وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنوات العشر . ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف . .
هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه , ومن التلقي والتجريب , قبل النداء وقبل التكليف . . تجربة الرعاية والحب والتدليل . وتجربة الاندفاع تحت ضغط الغيظ الحبيس , وتجربة الندم والتحرج والاستغفار . وتجربة الخوف والمطاردة والفزع . وتجربة الغربة والوحدة والجوع . وتجربة الخدمة ورعي الغنم بعد حياة القصور . وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من شتى التجارب الصغيرة , والمشاعر المتباينة , والخوالج والخواطر , والإدراك والمعرفة . . إلى جانب ما آتاه الله حين بلغ أشده من العلم والحكمة .
إن الرسالة تكليف ضخم شاق متعدد الجوانب والتبعات ; يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة والتذوق في واقع الحياة العملي , إلى جانب هبة الله اللدنية , ووحيه وتوجيهه للقلب والضمير .
ورسالة موسى بالذات قد تكون أضخم تكليف تلقاه بشر - عدا رسالة محمد . [ ص ] فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر , أعتى ملوك الأرض في زمانه , وأقدمهم عرشا , وأثبتهم ملكا , وأعرقهم حضارة , وأشدهم تعبدا للخلق واستعلاء في الأرض .
وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس الذل حتى استمرأوا مذاقه , فمردوا عليه واستكانوا دهرا طويلا . والذل يفسد الفطرة البشرية حتى تأسن وتتعفن ; ويذهب بما فيها من الخير والجمال والتطلع ومن الاشمئزاز من العفن والنتن والرجس والدنس . فاستنقاذ قوم كهؤلا ء عمل شاق عسير .
وهو مرسل إلى قوم لهم عقيدة قديمة ; انحرفوا عنها , وفسدت صورتها في قلوبهم . فلا هي قلوب خامة تتقبل العقيدة الجديدة ببراءة وسلامة ; ولا هي باقية على عقيدتها القديمة . ومعالجة مثل هذه القلوب شاقة عسيرة . والالتواءات فيها والرواسب والانحرافات تزيد المهمة مشقة وعسرا .
وهو في اختصار مرسل لإعادة بناء أمة , بل لإنشائها من الأساس . فلأول مرة يصبح بنو إسرائيل شعبا مستقلا , له حياة خاصة , تحكمها رسالة . وإنشاء الأمم عمل ضخم شاق عسير .
ولعله لهذا المعنى كان عناية القرآن الكريم بهذه القصة , فهي نموذج كامل لبناء أمة على أساس دعوة , وما يعترض هذا العمل من عقبات خارجية وداخلية . وما يعتوره من انحرافات وانطباعات وتجارب وعراقيل .
فأما تجربة السنوات العشر فقد جاءت لتفصل بين حياة القصور التي نشأ فيها موسى - عليه السلام - وحياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة .
وإن لحياة القصور جوا خاصا , وتقاليد خاصة , وظلالا خاصة تلقيها على النفس وتطبعها بها مهما تكن هذه النفس من المعرفة والإدراك والشفافية . والرسالة معاناة لجماهير من الناس فيهم الغني والفقير , والواجد والمحروم , وفيهم النظيف والوسخ , والمهذب والخشن ; وفيهم الطيب والخبيث والخير والشرير . وفيهم القوي والضعيف , والصابر والجزوع . . وفيهم وفيهم . . وللفقراء عادات خاصة في أكلهم وشربهم ولبسهم ومشيهم , وطريقة فهمهم للأمور , وطريقة تصورهم للحياة , وطريقة حديثهم وحركتهم , وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم . . وهذه العادات تثقل على نفوس المنعمين ومشاعر الذين تربوا في القصور ; ولا يكادون يطيقون رؤيتها فضلا على معاناتها وعلاجها , مهما تكن قلوب هؤلاء الفقراء عامرة بالخير مستعدة للصلاح , لأن مظهرهم وطبيعةعاداتهم لا تفسح لهم في قلوب أهل القصور !
وللرسالة تكاليفها من المشقة والتجرد والشظف أحيانا . . وقلوب أهل القصور - مهما تكن مستعدة للتضحية بما اعتادته من الخفض والدعة والمتعة - لا تصبر طويلا على الخشونة والحرمان والمشقة عند معاناتها في واقع الحياة
فشاءت القدرة التي تنقل خطى موسى - عليه السلام - أن تخفض مما اعتادته نفسه من تلك الحياة ; وأن تزج به في مجتمع الرعاة , وأن تجعله يستشعر النعمة في أن يكون راعي غنم يجد القوت والمأوى , بعد الخوف والمطاردة والمشقة والجوع . وأن ينزع من حسه روح الاشمئزاز من الفقر والفقراء , وروح التأفف من عاداتهم وأخلاقهم وخشونتهم وسذاجتهم ; وروح الاستعلاء على جهلهم وفقرهم ورثاثة هيئتهم ومجموعة عاداتهم وتقاليدهم . وأن تلقي به في خضم الحياة كبيرا بعد ما ألقت به في خضم الأمواج صغيرا , ليمرن على تكاليف دعوته قبل أن يتلقاها . .
فلما أن استكملت نفس موسى - عليه السلام - تجاربها , وأكملت مرانتها ودربتها , بهذه التجربة الأخيرة في دار الغربة , قادت يد القدرة خطاه مرة أخرى عائدة به إلى مهبط رأسه , ومقر أهله وقومه , ومجال رسالته وعمله , سالكة به الطريق التي سلكها أول مرة وحيدا طريدا خائفا يتلفت . فما هذه الجيئة والذهوب في ذات الطريق ? إنها التدريب والمرانة والخبرة حتى بشعاب الطريق . الطريق الذي سيقود فيه موسى خطى قومه بأمر ربه . كي يستكمل صفات الرائد وخبرته , حتى لا يعتمد على غيره ولو في ريادة الطريق . فقومه كانوا في حاجة إلى رائد يقودهم في الصغيرة والكبيرة , بعد أن أفسدهم الذل والقسوة والتسخير ; حتى فقدوا القدرة على التدبير والتفكير .
وهكذا ندرك كيف صنع موسى على عين الله , وكيف أعدته القدرة لتلقي التكليف . فلنتبع خطى موسى تنقلها يد القدرة الكبرى , في طريقه إلى هذا التكليف .
في ظلال القرآن
سيد قطب